rechercher
.

لالا زينب القاسمية ودور الطريقة الرحمانية في المقاومة الشعبية والثورة التحريرية الكبرى

لالا زينب القاسمية ودور الطريقة الرحمانية في المقاومة الشعبية والثورة التحريرية الكبرى

 

بقلم : الدكتور عبد المنعم القاسمي الحسني

 

 

(  1267ـ 1323هـ= 1850 ـ 1904م)

تهدف هذه الدراسة إلى كشف النقاب عن شخصية السيدة زينب التي لا تزال مجهولة عند الكثيرين من الباحثين للأسف الشديد.

  • · مقــدمة:

الحديث عن السيدة زينب حديث ممتع وشيق، إذ قد لفتت انتباه العلماء والباحثين والأدباء والمؤرخين منذ بداية القرن العشرين إلى يوم الناس هذا. فكتب عنها الشيخ عاشور الخنقي والحاج علي بن موسى, إيزابيل إبرهاردت, ودي غالان، كلينسي والدكتورة فرحاتي… وغيرهم كثير.

رأوا فيها رمزا لقوة المؤمن بعدالة قضيته، للبطل المشاكس الذي لا يتوقف عن المطالبة والمغالبة. فقد وقفت بمفردها في مواجهة أعتى قوى الظلم والطغيان فرنسا في أوج قوتها وعنفوانها, بعد توقف الثورات بالجزائر, وفشل الحركات التحررية بالبلاد. واجهت مؤامرات المحتل لإجبارها عن التحلي عن حقها في خلافة والدها على رأس زاوية الهامل.

تعتبر عند الكثيرين رمز الصمود والشجاعة، التحدي والصبر، كانت تقاوم بروح بطل من أبطال الحق المؤمنين بعدالة القضية.

من خلال لالا زينب ندرك أيضا مدى عظمة الدين الإسلامي في مساواته بين الرجل والمرأة، فقد قال تعالى: ]والمؤمنون والمؤمنت بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم[[التوبة : 71].

نستطيع من خلال شخصية لالا زينب معرفة وفهم دور المرأة العربية المسلمة، مكانتها في مجتمعها, هل تمثل السيدة زينب استثناء؟ هل هي حالة نادرة في المجتمعات العربية؟ هل هي فعلا امتداد للنساء المتصوفات اللاتي عرفهن التاريخ الإسلامي؟  ما موقفها من الإدارة الفرنسية؟ أهم أعمالها؟ نريد أن نعرف السر وراء نجاح هذه المرأة الفذة في قيادة أكبر مؤسسة دينية في القرن التاسع عشر بالجزائر ألا وهي زاوية الهامل. لماذا لالا زينب في هذه الفترة؟ ما الذي يمكن أن نستفيده من دراسة حياتها وسيرتها؟

لالا زينب حلقة هامة في تاريخ هذا الشعب المناضل الأبي, أنموذج للمقاومة الثقافية, المقاومة الفكرية والروحية…

صورة حية تدل على صمود هذا الشعب ونبله وصدقه وإخلاصه في سبيل الحفاظ على مقوماته وشخصيته واستقلاله….

دليل واضح على استماتة المجتمع الجزائري في الالتفاف حول الرموز التي يحترمها والتي أثرت في حياته الدينية والسياسية والاجتماعية وتركت آثارا هامة في مساره العام.

تمسك القبائل التابعة للزاوية بالسيدة زينب وعدم التخلي عنها, مساندتها ومؤازرتها في مواجهتها مع الإدارة الفرنسية الظالمة, أكبر حجة على فشل السياسة الاستعمارية, وعلى الهوة العميقة الساحقة التي تفصل بين الحضارتين والشعبين والقيادتين…..

إن تمعننا في هذه النماذج والأمثلة ليلقي كثيرا من الضوء على تاريخ المجيد الحافل، فبالرغم من استخدام فرنسا لكل الوسائل الشريفة منها والقذرة، لزحزتها عن موقفها وإجبارها على التنازل عن حقها في خلافة والدها: التهديد، الوعيد، الترغيب، الاستجواب، الإقامة الجبرية، الدعاية المغرضة، الحرب النفسية، إلا أنها لم تفلح في محاولاتها البائسة تلك.

إننا هنا نقف وقفة إكبار وإجلال أمام هذا النموذج الفذ، والمثال الصالح من أمثلة قوة الإيمان واليقين وشدة التمسك بالدين، فثقتها بالله كانت كبيرة، وهذا راجع إلى ما تلقته من مبادئ وقيم على يد والدها البار الكريم، فمنه تعلمت أنَّ أهـمَّ شيء في الحياة هو معرفة الله والشوق إلى لقائـه، وأن هذه الحياة الدنيا آيلة إلى زوال، وعلينا أن نغتنم ساعاتها فيما يفيدنا للحياة الدنيا والآخرة.

 

موقف ينبغي الرد عليه:

لعل من أبرز خصائص الصوفية التي نستطيع استخلاصها من تاريخهم: هو مقاومة المحتل: الاحتلال الصليبي في وهران, وهو السبب الرئيس في انتشار الرباطات في الغرب,  ومواقف أبي طالب المازوني الجهادية, وجماعة الطلبة معه, أحمد بن ثابت التلمساني, وغيرهم شاهدة على ذلك. دعوة الشيخ الثعالبي للجهاد ضد المحتل في بجاية وعنابة. وفي رد الظلم التركي نجد ثورة التيجاني, وثورة الشريف الدرقاوي, بل أن مضايقة الأتراك للشيخ محي الدين والد الأمير ووضعه بالإقامة الجبرية بوهران, كان خوفا من القيام بثورة أخرى تهز أركان الدولة التركية بالجزائر.

وإذا جئنا إلى عهد الاحتلال الفرنسي, وجدنا أن أول من قاد الثورة هي الطريقة القادرية بزعامة الشيخ محي الدين ثم ابنه الأمير عبد القادر, الذي تعاونت معه معظم الطرق الصوفية, وعلى رأسها الرحمانية, الشاذلية… وبعد انتهاء مقاومة الأمير, تولى القيادة صوفية آخرون ينتمون إلى طرق مختلفة: قادرية, رحمانية, شاذلية, سنوسية, شيخية…لعل من أبرزهم: الشيخ عبد الحفيظ الخنقي (من زعماء ثورة  الزعاطشة 1849م), الشيخ المختار الجلالي, محمد الطيب بن إبراهيم الشريف، الصادق بن الحاج المصمودي, محمد التواتي السنوسي, الشيخ الحداد صاحب ثورة 1871, الشيخ بوعمامة….والقائمة طويلة. فما من ثورة قامت ضد المحتل »إلا وورائها يد مرابطية »ـ على حد تعبير رين ـ, وذلك طبعا بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء.

ومن خلال هذا يتأكد لدينا أن التصوف ورجاله قد أدوا ما عليهم من واجب تجاه دينهم ووطنهم ومجتمعهم الذي عاشوا فيه وتفاعلوا معه, مع قضاياه, مشاكله، اهتماماته, بل كانوا يمثلون صوت الشعب وضميره الحي في جل الفترات والعهود المتعاقبة,  فقد نادى المتصوفة بالحرية عاليا, نادوا بالثورة على الأوضاع, نادوا بالتغيير, مارسوا حق تغيير المنكر الذي منحتهم إياه الشريعة الإسلامية.

لو لم يقوموا بواجبهم تجاه المجتمع على أكمل وجه، لما وجدنا الناس تقبل عليهم زرافات ووحدانا, في حياتهم وحتى بعد انتقالهم إلى الدار الآخرة, ممثلا ذلك في زيارة الأضرحة, وهي العادة التي درج عليها المجتمع الجزائري منذ مئات السنين, وجرب فصح.

خدموا الدين والأمة بالرغم من الحصار والمضايقة والتهديد والتشريد والسجن والمتابعة, حياتهم كلها جهاد ونضال واستبسال في سبيل الدفاع عن القيم والمبادئ والدين والوطن.

فمن مهامهم الأساسية: رد الظلم والعدوان على الشعب والمحافظة على مصالحه, مقاومة كل أنواع الظلم والاضطهاد, التنوير التعليم الإرشاد التوجيه, ثم أنهم لم يكونوا يخشون في الله لومة لائم، فقد كان كل همهم إرضاء محبوبهم خالقهم سبحانه عز وجل، مطبقين قوله تعالى: ] وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[.

 

  • · دور الطرقية في مقاومة الاستعمار الفرنسي:

ـ يذكر حمدان خوجة في كتابه المرآة أن شيوخ الطرق الصوفية هم الذين أمروا جميع المواطنين الجزائريين بالتعبئة العامة والدفاع عن مدينة الجزائر العاصمة بعد تخلي الأتراك عن هذه المهمة.

ـ كشف الضابط دي نوفو في كتابه الإخوان الصادر سنة 1845 عن الدور الرئيس الذي أدته الطرق الصوفية في مقاومة الاحتلال، وتحدث النقيب ريتشارد عن ثورة الظهرة التي قامت سنة 1845 مبرزا الدور المهم الذي قامت به الطرق الصوفية في هذه الثورة.

ـ ومن تقرير للمفتشية العامة حرر بالجزائر سنة 1864 يعترف بالدور الخطير الذي تقوم به الطريقة الدرقاوية: " الدرقاوية كانوا معادين لنا كل العداء لأن غايتهم كانت سياسية بوجه خاص، أرادوا ان يشيدوا من جديد صرح امبراطورية إسلامية ويطردوننا، إن هذه الطريقة منتشرة جدا في الجنوب ومن الصعب جدا مراقبتهم، لقد كانت ندوات الإخوان سرية وكانت أغلبية رؤسائهم معروفة".

ـ "إن مشائخ الزوايا يختارون في تدريسهم للقراءة نصوصا من القرآن معادية لنا، مما يحطم فيهم وبسرعة الشعور الذي سعينا لتطويره فيهم من طرف مؤسساتنا وتعتبر التأثيرات الدينية من ألد أعدائنا والتي يجب أن نخشاها ونخطط لها سياستنا، ولقد كانت القبائل الأشد عداء لنا هي التي تلك التي ينتشر فيها التعليم الإسلامي". من تقرير الملازم "بوسري" بعد ثورة 1846.

ـ وجاء في تقرير القائد الأعلى "دي توربيل" بتاريخ 4 أوت 1859، بعد الاضطرابات التي رافقت المعارك التي خاضوها ضد الجزائريين ما يلي: "إن مبعوثين وفدوا من مختلف أنحاء الشرق وينتمون إلى مجموعة سيدي عبد الرحمن بوقبرين الدينية الرحمانية، التي يسكن مقدمها الأكبر سي المختار بواحة أولاد جلال (بسكرة) ليسوا غرباء عما يجري، وقد كانت أشغال لجان التجمعات التي شرع فيها من نواح عدة في نفس الوقت موضوعا لخطبهم ومواعظهم".

ـ لقد كانت السرية التامة التي تحيط بالزوايا، وما يجري داخلها، من نشاط شيوخها والتي لم يستطع الاستعمار بما لديه من إمكانيات ووسائل الإطلاع عليها، يقول ماك ماهون سنة 1851: "يجب على الإنسان أن يقضي حياته كلها في الزاوية حتى يعرف ما يجري فيها وما يقال فيها".

ـ ويقول المؤرخ الفرنسي مارسيل إيميري: "إن معظم الثورات التي وقعت خلال القرن التاسع عشر في الجزائر كانت قد أعدت ونظمت ونفذت بوحي من الطرق الصوفية، فالأمير عبد القادر كان رئيسا لواحدة منها وهي الجمعية القادرية، ومن بين الجمعيات المشهورة التي أدت دورا أساسيا في هذه الثورات: الرحمانية السنوسية الدرقاوية الطيبية".

ـ ويؤكد السيد أوكتاف ديبون المفتش العام للبلديات الممتزجة بالجزائر ـ ومن مؤلفي كتاب الطرق الدينية في الجزائر 1897 ـ في تقرير بعث به إلى لجنة مجلس الشيوخ المكلفة بالجيش والتي كان يرأسها "كليمانصو": "إننا سلفا نجد يدا مرابطية وراء كل هذه الثورات التي يقوم بها الأهالي ضدنا".

ـ الشيخ محي الدين حمل راية الجهاد ويحملها بعده ابنه الأمير عبد القادر، وكان من أبرز المجاهدين في جيش الأمير عبد القادر سيدي محمد بن علال بن الولي الصالح سيدي مبارك دفين القليعة وشيخ زاويتها، الذي تولى قيادة الجيوش وخاض كبريات المعارك في نواحي وهران إلى أن سقط شهيدا في معركة وقطعت رأسه ووضعت في حراب من جلد وأرسلت إلى مريديه وأتباعه،

ـ في شهر يناير من عام 1845 شهدت منطقة الظهرة معركة هامة أطلق عليها الفرنسيون " انتفاضة الطرق الصوفية"، وذلك لمشاركة العديد من الطرق فيها كـ: الرحمانية، القادرية، الطيببية، وانتقم المحتل من عرش أولاد رياح الساكن جنوب مدينة تنس والذي كان له شرف المشاركة في هذه الثورة.

ـ ثورة الشريف محمد بن عبد الله المعروف بـ "بو معزة" في منطقتي الشلف والونشريس (1846/ 1847):  من أتباع الطريقة الطيبيبة، استنفر القبائل والأعراش بمنطقة الظهرة والشلف والونشريس، واتسعت لتشمل التيطري والحضنة وجبال ديرة وسور الغزلان، ثم امتدت إلى نواحي أولاد جلال، حيث وجدت الزاوية المختارية وشيخها الجليل الشيخ المختار بن عبد الرحمن مقدم الطريقة الرحمانية كامل الدعم والمساعدة.

ـ ثورة البطل الشيخ بوعمامة، انتشرت ثورته عبر مناطق عين الصفراء وتيارت وفرندة وسعيدة وعين صالح وتوات، وكرزاز, توفي سنة 1908 بعد ثلاثة عقود من الكفاح. وكانت ثورته امتداد لثورة سبقتها بقيادة أولاد سيدي الشيخ جنوب وهران، استمرت من سنة 1864 إلى 1880، وامتدت إلى جبل عمور التيطري متليلي, ورقلة,  أدرار، سعيدة، غليزان، سور الغزلان....

ـ ثورة بن ناصر بن شهرة من الطريقة القادرية، بدأ يعد للثورة سنة 1846 اعتقل سنة 1851 ووضع تحت الإقامة الجبرية رفقة عدد كبير من أتباعه من رجال الأرباع في محتشد قريبا من " بوغار". قال عنه الضابط الفرنسي " لويس رين": " كان ابن ناصر بن شهرة الملاح الحقيقي للصحراء". كما وجد المساعدة في الزاوية الرحمانية بنفطة لشيخها مصطفى بن عزوز التي كانت قبلة الثوار والمجاهدين، واستمر بن شهرة في كفاحه ضد الاستعمار إلى سنة 1875 حين أرغمه باي تونس على مغادرة بلاده، فيختار التوجه بحرا إلى بيروت ثم دمشق التي توفي بها 1882.

 

  • · الطريقة الرحمانية:

 

الطريقة الرحمانية هي طريقة دينية صوفية، نشأت في الجزائر في أواخر القرن الثاني عشر الهجري = الثامن عشر الميلادي، على يد مؤسسها الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري (ومنه أخذت اسمها)، ففي سنة 1183هـ أسس الشيخ زاويته بقرية آيت إسماعيل ومنها انطلقت الطريقة الرحمانية التي كانت تسمى في البداية الطريقة الخلوتية.

وهذه الطريقة التي كما صرح الشيخ مصطفى القاسمي شيخ زاوية الهامل:"تدعو إلى احترام مبادئ الدين الإسلامي الحنيف, وتدعو مريديها إلى العمل على نشر الخير والفضيلة, وتدريس العلوم الشرعية, وتربية الأبناء على الأخلاق الحميدة, وتقاليد الآباء والأجداد, وغرس الإيمان في قلوب الناس, وتعليم الناس أمور دينهم, وواجباتهم تجاه الله والرسول والناس أجمعين.

وهي طريقة تدعو إلى الصفاء والعودة إلى المنابع الأولى للإسلام  ـ كما نجد ذلك في مصادرها ومراجعها الأساسية ـ، وهذا لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق تطهير النفس وتخليصها من الشوائب والرعونات التي تمنعها من الوصول إلى جناب الحق، ويجب عليها قطع سبع مراحل أو أنفس بواسطة سبعة أسماء، شرح هذه  الطريقة وفصلها في رسائله الكثيرة والمتعددة التي كان يرسلها إلى أتباعه ومريديه، والذين كان يطلب منهم ألا يبقوها بأيديهم بل يبعثوا بها إلى غيرهم لكي يستفيدوا منها، ثم تعود إليه في آخر المطاف، وهي طريقة عرفت نجاحا كبيرا، وطبقها أتباعه بالحرف، مما أدى إلى سرعة انتشار الطريقة الرحمانية في القطر الجزائري، وقد عرفت هذا الانتشار الواسع في حياة مؤسسها نفسه.

والشكل العام في التنظيم في الطريقة الرحمانية متشابه مع بقية الطرق الأخرى، فهناك الشيخ أو المعلم الذي يكن له المريدون كل الطاعة، وهناك المقدم وهو الذي ينوب عن الشيخ في بعض المهام والوظائف، وهناك المريد وهو محور العلملية التربوية في الطريقة.

وتهدف الطريقة الرحمانية ـ على ما يذكره أتباعها ـ إلى الجمع بين المنهجين المعروفين في الفكر الإسلامي:

1 ـ منهج العلماء الذين يرون ضرورة التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية.

2 ـ منهج الصوفية الذين يرون ضرورة التمسك بالتجربة الدينية.

وهي تمثل أحد المعالم الرئيسية البارزة وظاهرة دينية روحية اجتماعية وسياسية هامة في تاريخ الجزائر المعاصرة، فمن أي زاوية تناولها وجدنا الكثير من الفوائد والفرائد التي تساعدنا على فهم الكثير من الحقائق في الناحية الدينية، الناحية السياسية، الناحية الاجتماعية.

أما مؤسس الطريقة الرحمانية فهو الشيخ المؤسس سيدي محمد بن عبد الرحمن الأزهري([1]): فهو محمد بن عبد الرحمن…بن فاطمة بنت رسول الله r ([2]), ولد حوالي سنة 1133هـ=  1715م, بقرية بوعلاوة، التي تقع ببلاد جرجرة ([3])، وإلى هذه الأرض ينسب، كما لقب بالأزهري نسبة إلى الأزهر الشريف الذي جاوره مدة طويلة.

نشأ ببلاد زواوة، تتلمذ في بداية أمره على يد الشيخ الصديق بن آعراب، ثم ذهب إلى الحج في حوالي التاسعة عشر من عمره أي حوالي سنة 1152هـ= 1734م([4])، وفي طريق عودته أعجب بالأوضاع العلمية بمصر فاستقر هناك مجاورا للأزهر الشريف، وتلقى العلوم على أيدي علماء أجلاء منهم:  أحمد بن محمد بن أبي حامد العدوي المعروف بـ » الدردير » (ت1201 هـ), علي بن أحمد الصعيدي ( ت 1189 هـ)،  الشيخ علي العمروسي المتوفي سنة 1173هـ، وعلى يد « المنور التلمساني »(ت 1173هـ).

وبعد تحصيل العلوم الفقهية من هؤلاء الأعلام، اتجه إلى الشيخ محمد بن سالم الحفناوي الخلوتي، وسلك على يديه([5])، الذي كلفه بنشر الطريقة والدعوة في بلاد السودان والهند، فأقام ست سنوات في دار فور يقرئ السلطان ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى صار له أتباع كثيرون، وحصل له الإقتداء في هذه المنطقة، ثم أمره شيخه بالعودة إلى القاهرة وألبسه الخرقة وكلفه بالتوجه إلى الجزائر لنشر الطريقة هناك, وكان ذلك سنة 1177هـ= 1758م.

استقر الشيخ بن عبد الرحمن فترة بمسقط رأسه، ثم انتقل إلى قرية « الحامـة » قرب مدينة الجزائر, واستقر هناك وتصدى للتعليم ولنشر الطريقة الخلوتية، والتف حوله عدد كبير من الطلاب، فعلا صيته وذاعت شهرته، وبنى زاويته التي اتخذها مركزا لنشر الطريقة وملتقى للإخوان والمريدين.

ولم تمض فترة طويلة على استقراره بـ »الحامـة » حتى بدأت المشاكل والمتاعب تترى من طرف علماء الظاهر، فبدأوا بشن الحملات عليه وإثارة الـداي محمد عثمان عليه، مما جعله ينصب له مجلسا للحكم في أمره وللنظر في الاتهامات الموجهة إليه، وظهرت حججه على آرائهم الباطلة وبرئ من تهمة الزندقة التي وجهت إليه. وبالرغم من موقف الداي إلا أن الشيخ رأى وجوب مغادرة الجزائر والعودة إلى مسقط رأسه آيت إسماعيل بجرجرة وأسس هناك زاوية جديدة وتفرغ للتعليم والطريقة. توفي سنة 1208 هـ = 1793م. ودفن بزاويته.

ترك الشيخ بن عبد الرحمن الأزهري مجموعة كبيرة من التلامذة كانوا بدورهم من شيوخ الطريقة ونشروها في مختلف البقاع، ومـن أشهـر تلامـذته: علي بن عيسى المغربي، عبد الرحمن باش تارزي، محمد بن عزوز البرجي، محمد العمـَّالي والد حميدة العمالي…

أما عن مؤلفاتـه، فيذكر الشيخ الحفناوي في تعريف الخلف برجال السلف:  » أن للأزهـري رسائل كثيرة في تعليم الخلق وإرشادهم إلى طريق الخير، اعتنى بجمعها أكابر رجـال طريقته، ولو طبعت لكانت مجلدا كبير الحجم كثير العلم « ([6]).

ومن أشهر مؤلفاته: رسالة فتح الباب([7])، رسالة طي الأنفاس([8])، دفتر الدفاتر([9])، شرح على الريفاوي([10]) وهو شرح لقصيدة ( قوته قولي) لصاحبها عبد الله الريفاوي، شرح لامية الزقاق([11]) وهي في الأقضية، قال عنه أنه ألفه بإذن شيخه الحفناوي، زلزلة النفوس([12]) وكان لا يفارقه لعزته عليه, وغيرها من المؤلفات والرسائل.

توفي الشيخ بن عبد الرحمن وكان قد أوصى بالخلافة بعده إلى تلميذه الشيخ علي بن عيسى المغربي، وترك له جميع كتبه وأوقافه وأشهد على ذلك أهل آيت إسماعيل، وظل الشيخ علي بن عيسى يدير شؤون الزاوية إلى وفاته 1251هـ= 1836م. تولى بعده سي بلقاسم بن محمد الحفيد من المعاتقة- وفي عهده بدأ ظهور النزعة الاستقلالية لدى بعض الزوايا الرحمانية والانفصال عن الزاوية الأم بآيت إسماعيل، ولم يدم عهده إلا سنة.تولى بعده سي الحاج البشير وهو أيضا من المغرب ( 1836- 1841).تولى بعده محمد بن بلقاسم نايت عنان لمدة سنة واحدة أيضا ( 43-1844) ولم يكن يتمتع بسمعة طيبة ولا قدرة على القيادة وفي عهده تم الانفصال بين الزاوية الأم وزوايا الجنوب الرحمانية.تولى بعده الحاج عمار سنة 1844, وأدى دورا هاما في مقاومة زواوة 1857، وقد هدمت الزاوية في عهده على يد الجنرال « ديفو » واضطر الحاج عمار إلى الهجرة إلى  الحجاز. وكانت الرحمانية في هذه الفترة هي زعيمة الطرق في زواوة.

وهذا التضييق والهدم أدى إلى انتشار سريع للطريقة، عكس ما كانت  تتوقعه السلطات الاستعمارية، وافتتحت زوايا أخرى كزاوية الكاف مثلا وزاوية نفطة.

وبعد الحاج عمار تولى الشيخ محمد الجعدي والذي لم تطل مدة ولايته، إذ انتخب الأعيان والسادة والشيوخ الشيخ محمد امزيان الحداد شيخا للطريقة مع الاستقرار بصدوق، وفي عهده اشتهرت زاوية صدوق بالعلم، وعادت للطريقة حركيتها ومكانتها السابقة، ورغم سمعته الطيبة ومكانته السامية لم يستطع الشيخ الحداد توحيد فروع الطريقة الرحمانية، حتى في زواوة نفسها، فكانت قسنطينة / الخنقة/ طولقة/ الهامل /أولاد جلال / نفطة. وفي عهده أيضا قامت ثورة 1871 ـ التي كان من نتائجها سجن الشيخ الحداد وإغلاق الزاوية وتهديدها. وأوصى الشيخ الحداد قبل وفاته بالخلافة للشيخ الحاج الحملاوي شيخ الزاوية الحملاوية بتلاغمة بنواحي قسنطينة.

وتعتبر الطريقة الرحمانية أوسع الطرق انتشارا في الجزائر في ق19م،  فإذا رجعنا إلى الإحصائيات فإننا نجد أن عدد أتباعها قد بلغ سنة 1851م حوالي 225299 مريد من بين 718691 إخوان ينتمون إلى الطريق الصوفي، وهذا في مقاطعة الجزائر فقط، وهو ما يعادل نسبة 32 بالمائة.

بينما نجد عند آجيرون في نفس السنة 1851 عدد المريدين لكن على مستوى القطر حوالي 533026 منهم 300 ألف يتبعون الطريقة الرحمانية أي أكثر من 55%..

وفي إحصاء كوبولاني وديبون الذي قاما به في سنة 1897 نجد أن عدد الزوايا بالجزائر بلغ 349 زاوية، منها 177 زاوية خاصة تابعة للطريقة الرحمانية وحدها أي ما يفوق نسبة 50 بالمائة.

 

  • · من زواياها الشهيرة بالمنطقة الجنوبية:

1ـ زاوية طولقة والتي أسسها سيدي علي بن عمر : وتعتبر من أهم فروع الرحمانية بالمنطقة الجنوبية, أخذ عن محمد بن عزوز ، سيرها بعده علي بن عثمان خليفته بنوع من الحكمة وهو ابن المؤسس، امتد تأثيرها إلى خنشلة, بسكرة, أم البواقي, تقرت, الوادي. بلغ عدد أتباعها سنة  (1871) حوالي 17 ألف مريد . وعدد زواياها 17 زاوية. لقب الشيخ علي بن عمر أيضا بالقطب وشيخ  الشيوخ ، لأنه أخذ مباشرة عن مؤسس الطريقة ونصحه قبل وفاته بملازمة الشيخ محمد بنعزوز.

2- زاوية نفطة : أسسها الشيخ مصطفى بن محمد بنعزوز, بعد احتلال بسكرة وخروجه إلى تونس، وسرعان ما أصبحت من أهم الزوايا الرحمانية. عرفت بالجنوب التونسي باسم « العزوزية », أصبح لها فروع بدورها في طرابلس, بنغازي, المدينة المنورة .

 

3- خنقة سيدي ناجي: أسسها أو أعاد تأسيسها الشيخ عبد الحفيظ الخنقي, عملت على نشر التعليم والأذكار الصوفية الرحمانية. وبعث الروح في زاوية أجداده الخنقة وأصبحت رحمانية الطريقة, شاركت في ثورة الزعاطشة, حيث استشهد الشيخ عبد الحفيظ, ثم تفرق أبناء الشيخ عبد الحفيظ: أحدهما الحفناوي ذهب إلى تونس واستقر هناك الثاني محمد الأزهري أسس زاوية بالخيران قرب خنشلة، واستقر بها إلى وفاته 1896. وترك تسيير شؤون الخنقة لولديه، شاركت الزاوية في ثورة الزعاطشة.

 

4- زاوية أولاد جلال: أسس الشيخ المختار تلميذ الشيخ محمد بن عزوز زاويته بأولاد جلال، التي سرعان ما انتشر تأثيرها إلى المناطق المجاورة خصوصا قبائل أولاد نائل. شاركت في

وقد توفي في أكتوبر 1862، أسس زاويته 1843 بعد هجرة شيخه إلى نفطة.

5- زاوية سيدي سالم بسوف: أسسها الشيخ سالم بم محمد الأعرج تلميذ علي بن عمر ، وكان على صلة أيضا بزاوية بن عزوز بنفطة لقرب المسافة، والشيخ سالم هو ابن محمد بن محمد…بن المحبوب دفين القيروان. بعد وفاته تولى ابنه محمد الصالح شؤون الزاوية واشتهر بالصلاح والتقى ( ت 1865). وصفها هنري دوفيرييه في سنة 1860 بأنها ذات منارة طويلة تشرف على سوف كلها وأنها تقع قرب ساحة السوق, وأنها تتبع زاوية طولقة.

 

 

  • · ثـورات الطريقـة الرحمانيـة ضد الاحتلال الفرنسي :

كان للانتفاضات والثورات الشعبية التي قامت بها الطريقة الرحمانية خلال القرن التاسع عشر أسس دينية، وهي الجهاد ضد النصارى المعادين للإسلام، وبناء على ذلك أدت الزوايا الرحمانية دورا كبيرا ورائعا في معظم تلك الانتفاضات وأثّرت بشكل جلي على مسارها واستمرارها، فثورة المقراني مثلا كان لزعيمها الروحي الشيخ الحداد الدور الرائد في قيام هذه الثورة التي خرج طلاب الزوايا من سيدي موسى اويدير وآث وغليس وغيرها من الزوايا التابعة للطريقة الرحمانية استجابة لدعوة الجهاد، وبفضل هؤلاء المجاهدين استمرت الثورة..

 

1 ـ ثورة الحاج عمر:

 

وتعتبر زاوية امحمد بن عبد الرحمان في ذراع الميزان هي الأخرى كغيرها من الزوايا، أدت دورا كبيرا في المقاومة, إذ تزعم قيّمها الحاج عمر عام 1851 حركة ثورية ضد القوات الفرنسية، وكان قد عُيَّن في عام 1854 مقدما للرحمانيين، وهو زوج الشيخة فاطمة إحدى بنات الشيخ علي بن عيسى الخليفة الأول لمؤسس الزاوية، وكان شديد الحيوية والنشاط، ومال إلى تأييد الثوار أثناء ثورة الشريف بوبغلة واعتصم بالمناطق الجبلية الحصينة قرب الزاوية حتى أرغمته القوات الفرنسية على الاستسلام يوم 14 نوفمبر 1851 في بني كوفي بآيت إسماعيل.

وقد احتفظ برئاسة الزاوية والإخوان حتى عام 1856، حيث تزعم من جديد الثورة بنفسه، ربط صلاته بالشيخ واعراب في اث ايراثن ولالا فاطمة والشيخ محمد بن عبد الرحمان شيخ بني منقور وقادوا جميعا في جبال جرجرة جماهير الرحمانيين ضد الجيش الفرنسي الذي كان يقوم بعمليات استكشافية في جبال جرجرة تمهيدا لغزوها، وزحف الحاج عمر بنفسه يوم الثاني من سبتمبر 1856 على رأس إخوانه إلى ذراع الميزان، وتواصلت المعارك حول هذه المدينة إلى غاية، يوم 22 من نفس الشهر وقام الجنرال يوسف بالزحف على زاوية آيت إسماعيل وعسكر حولها، وقد اختارته فرنسا لمثل هذه المهمة لشدة حقده على الإخوان خاصة وعلى الجزائريين بصفة عامة.

 

2 ـ ثورة لالا فاطمة نسومر:

 

ولدت لالا فاطمة بقرية ورجة سنة 1246هـ/1830م وتربت نشأة دينية. ولما واتتها الظروف انضمت إلى المقاومة حيث شاركت بجانب بوبغلة في المقاومة والدفاع عن منطقة جرجرة وفي صد هجومات الاستعمار على أربعاء ناث إيراثن فقطعت عليه طريق المواصلات و لهذا انضم إليها عدد من قادة الأعراش وشيوخ الزوايا و القرى، و لعل أشهر معركة قادتها فاطمة نسومر هي تلك التي خاضتها إلى جانب الشريف بوبغلة (محمد بن عبد الله) في مواجهة الجيوش الفرنسية الزاحفة بقيادة الجنرالين روندون و ماك ماهون فكانت المواجهة الأولى بربوة تمزقيدة حيث أبديا استماتة منقطعة النظير، إلا أن عدم تكافؤ القوات عدة وعددا اضطر الشريف بوبغلة بنصيحة من فاطمة نسومر على الانسحاب نحو بني يني ، وهناك دعيا إلى الجهاد المقدس فاستجاب لهما شيوخ الزوايا ووكلاء مقامات أولياء الله فجندوا الطلبة والمريدين وأتباعهم واتجهوا نحو ناحية واضية لمواجهة زحف العدو على قراها بقيادة الجنرالين روندون ويوسف التركي ومعهما الباشا آغة الخائن الجودي، فاحتدمت المعركة وتلقت قوات العدو هزيمة نكراء، و تمكنت لالا فاطمة نسومر من قتل الخائن الجودي بيدها كما استطاعت أن تنقذ من موت محقق زميلها في السلاح الشريف بوبغلة حينما سقط جريحا في المعركة..

بالرغم من الهزيمة النكراء التي منيت بها قوات روندون يتشكرت ، إلا أن ذلك لم يثنه من مواصلة التغلغل بجبال جرجرة، فاحتل عزازقة في سنة 1854 فوزع الأراضي الخصبة على المعمّرين الوافدين معه، و أنشأ معسكرات في كل المناطق التي تمكّن منها، وواصل هجومه على كل المنطقة . بالرغم من التغلغل والزحف لم يثبّط عزيمة لالة فاطمة نسومر من مواصلة هجوماتها الخاطفة على القوات الغازية فحققت انتصارات أخرى ضد العدو بنواحي يللتن و الأربعاء و تخلجت وعين تاوريغ وتوريرت موسى، مما أدى بالقوات الفرنسية إلى الاستنجاد بقوات جديدة وعتاد حديث، اضطرت على إثرها فاطمة نسومر إلى إعطاء الأوامر بالانسحاب لقواتها إلى قرية تاخليجت ناث عيسو، لا سيما بعد إتبّاع قوات الاحتلال أسلوب التدمير والإبادة الجماعية، بقتل كل أفراد العائلات دون تمييز ولا رحمة.

ولم يكن انسحاب فاطمة نسومر انهزاما أو تقهقرا أمام العدو أو تحصنا فقط بل لتكوين فرق سريعة من المجاهدين لضرب مؤخرات العدو الفرنسي وقطع طرق المواصلات و الإمدادات عليه.

الشيء الذي أقلق جنرالات الجيش الفرنسي وعلى رأسهم روندون المعزز بدعم قوات الجنرال ماكمهون القادمة من قسنطينة . خشي هذا الجنرال من تحطم معنويات جيوشه أمام هجمات فاطمة نسومر، فجند جيشا قوامه 45 ألف رجل بقيادته شخصيا، اتجه به صوب قرية آيت تسورغ حيث تتمركز قواة فاطمة نسومر المتكونة من جيش من المتطوعين قوامه 7000 رجل وعدد من النساء وعندما احتدمت الحرب بين الطرفين خرجت فاطمة في مقدمة الجميع تلبس لباسا حرير يا أحمر كان له الأثر البالغ في رعب عناصر جيش الاحتلال.

على الرغم من المقاومة البطولية للمجاهدين بقيادة فاطمة نسومر فإن الانهزام كان حتميا نظرا للفارق الكبير في العدد و العدة بين قوات الطرفين، الأمر الذي دفع فاطمة نسومر إلى طرح مسألة المفاوضات و إيقاف الحرب بشروط قبلها الطرفان.

إلا أن السلطات الاستعمارية كعادتها نقضت العهود ،إذ غدرت بأعضاء الوفد المفاوض بمجرد خروجهم من المعسكر حيث تمّ اعتقالهم جميعا ، ثم أمر الجنرال روندون بمحاصرة ملجأ لالا فاطمة نسومر وتم أسرها مع عدد من النساء ….وخوفا من تجدد الثورة بجبال جرجرة أبعدت لالا فاطمة نسومر مع 30 شخصا من رجال ونساء إلى زاوية بني سليمان بتابلاط وبقيت هناك لمدة سبع سنوات إلى أن وافتها المنية عن عمر يناهز 33 سنة ، على إثر مرض عضال تسبب في شللها.

 

3 ـ ثورة الشيخ الصادق بن الحاج الأوراسي:

 

خاض الشيخ الصادق معارك تاريخية شهيرة عدة مثل: معركة أمشونش 1844، معركة وادي براز 1848, وكما شارك إلى جانب البطل الشيخ بوزيان في ثروة الزعاطشة سنة 1848.

بعد فشل ثورة الزعاطشة بعشر سنوات قام سي الصادق بثورته الشهيرة ضد الاحتلال الفرنسي, جند لها كل الطاقات المادية والبشرية, واتصل بالعلماء في كل الجهات واستنفر شيوخ الزوايا وراسل الشخصيات الدينية في الزيبان وأرسل إليهم مريديه, وأتباعه يحثهم على الجهاد في سبيل الله، من أمثال: ابن كريبع وابن النجاري وغيرهما.

شملت ثورته المنطقة الواقعة بين بلدة منعة وبلدة سيدي عقبة, وكان يحرض الناس على الجهاد في سبيل الله قائلا لهم:  » إن الرومي يعمل ضد ديننا ضد صلاتنا ضد زكاتنا وضد حجنا إنه يفرض علينا إتباع دينه وهو ما لم يأمر به الله ورسوله r »([13]). وابتدأت دعوته إلى الجهاد في شهر أوت 1858 ضمن القبائل الأوراسية والقبائل الصحراوية, وبحلول شهر نوفمبر تأزم الموقف بسيدي عقبة عند فرقة أولاد الأخضر, وابتدأت المواجهات مع الجنرال « ديفو » يوم 5 جانفي 1859م, وكانت المعركة الحاسمة  التي أدى فيها القياد الموالون: أحمد بولخرص حفيد ابن قانة, وبن شنوف, وبن ناصر دورا كبيرا, قد جرت بوادي تونقالين، يوم 13 جانفي واستمر فيها القتال من طلوع الفجر إلى آخر الليل, تحت قيادة الشيخ الصادق وأبنائه, ولما أدرك المجاهدون عدم تكافؤ القوتين فضلوا الانسحاب إلى قرية القصر, مقر الزاوية, ومنها قرروا الاتجاه إلى تونس وعند وصولهم إلى « تمقلين » ألقي القبض عليهم.

وفي يوم 14 جانفي أحرق الجنرال « ديفو » الزاوية عن آخرها, وكان هذا من أقسى مظاهر الانتقام التي كان يقوم بها الجيش الفرنسي, وليكون الشيخ الصادق عبرة لغيره ممن يفكر بالقيام بالثورة ضد المحتل.  وقد ظل الشيخ يقاوم ويكافح دون هوادة إلى أن ألقي عليه القبض في يوم 20 جانفي سنة 1859، في مكان بين زريبة الوادي ونقرين يسمى  » ثمقلين »، وأسر مع أبنائه وأزيد من 88 مجاهدا.

نقل بعدها الشيخ رفقة مجموعة من أتباعه المجاهدين إلى سجن الكدية, في انتظار محاكمتهم, وصدر الحكم على الشيخ وأبنائه وكبار أتباعه بالإعدام, ثم خفف الحكم في 17 مارس 1861 إلى 15 سنة. وقد طلب مدير السجن الإفراج عنه, لكن السلطات الفرنسية رفضت طلبه بل حكمت بنفيه إلى جزيرة سان مارغريت, لكن الشيخ توفي قبل نفيه وذلك سنة 1862. نقل جثمانه الطاهر إلى قرية تيرمارماسين ودفن هناك.

 

4 ـ ثورة الشيخ بن جار الله:

 

من ثورات الأوراس ضد الاحتلال الفرنسي تلك التي دعا إليها وقادها المجاهد البطل محمد امزيان من قرية جار الله نواحي تكوت، وهو من إخوان زاوية الشيخ المصمودي، وكان إماما ومدرسا بجامع سيدي عيسى بوقبرين, وكان وثيق الصلة بالزاوية الرحمانية بتبرماسين.

اندلعت الثورة يوم 30 ماي 1879م في قرية الحمام جنوب إيشمول، وامتدت حتى شملت جنوب شاشار، والتف حولها أعراش أولاد داود، بني بوسليمان واحمر خدو، وجماعة من بني وجانة، ومن الزوايا زاوية بوزينة بقيادة الهاشمي بن دردور، لكن العدو باغت المجاهدين بقوات لا قبل بها، وقد سقط من الشهداء يومئذ 120 شهيدا.

أما القائد بن جار الله فقد تسلل إلى تونس، حيث أقام بزاوية الشيخ إبراهيم ولد الشريف وهي زاوية رحمانية بقابس، ولكن عيون فرنسا كانت تلاحقه فألقي عليه القبض رفقة أخيه ونخبة من المجاهدين، ونقلوا إلى قسنطينة حيث حوكموا، وصدرت الأحكام في 26 جوان 1879م، وكانت كالتالي: 14 حكما بالإعدام، 26 حكم بالأشغال الشاقة، 16 حكم بالبراءة، وبعد صدور عفو من رئيس جمهورية فرنسا في 09 نوفمبر 1880 خففت أحكام الإعدام إلى الأشغال الشاقة والنفي، وهكذا نفي المجاهدون إلى كورسيكا وكايان ومن هذا الأخير فر القائد بن جار الله إلى مكة أين توفي بها سنة 1889.

 

5 ـ ثورة الهاشمي بن علي دردور([14]): (1230/ 1317 هـ =1815/ 1899م).

 

من زعماء الجهاد في الجزائر، وكبار رجال الطريقة الرحمانية، وإليه تنسب الطريقة الدردورية إحدى فروع الطريقة الرحمانية. ولد سنة 1230 هـ = 1815م بمدرونة بمنطقة وادي عبدي في قلب الأوراس بالشرق الجزائري، حفظ القرآن بمسقط رأسه، ولم يتجاوز الثانية عشر من عمره, ثم التحق بزاوية الشيخ بن عزوز البرجي, ومنها انتقل إلى زاوية الشيخ عبد الحفيظ الخنقي بخنقة سيدي ناجي, ثم زاوية بوحجر نواحي قالمة ليعود بعد ذلك إلى مسقط رأسه.

سافر إلى مصر لمواصلة تعليمه, وبالضبط جامع الأزهر, وبعد تخرجه تولى التدريس بالإسكندرية إلى غاية سنة 1870, حيث عاد إلى أرض الوطن, وأسس زاوية ببلده سنة 1289 هـ= 1876م([15])، أصبحت تشكل خطرا على الاحتلال الفرنسي، شارك في انتفاضة الأوراس سنة 1879م بإخوانه ومريديه، مما أدى بالسلطات الاستعمارية إلى نفيه إلى جزيرة كورسيكا سنة 1293 هـ= 1880م، وفي سنة 1303 هـ= 1890م وبعد أن قضى في المنفى أكثر من عشر سنوات، أطلق سراح الشيخ الهاشمي وعاد إلى أرض الوطن, استأنف نشاطه بالزاوية, وتعود السلطات الفرنسية إلى اعتقاله ثانية سنة 1895 ونقلته إلى باتنة غير أن سكان الأوراس قاموا بمظاهرات لإطلاق سراحه وكان في طليعة المحتجين جماعة من الأعيان من بينهم الشيخ المبارك بن محمد بن بلقاسم من زاوية ثنية العابد وتحت ضغط الجماهير تم الإفراج عن الشيخ الهاشمي.

واصل الشيخ مهمته التعليمية والجهادية إلى أن وافاه الأجل سنة 1317 هـ= 1899م. عن عمر يناهز الخامسة والثمانين. وصفه كل من ديبون وكوبولاني بأنه من ألد أعداء فرنسا ويحمل لها حقدا شديدا.

 

  • · الشيخ سيدي محمد بن أبي القاسم الشريف الهاملي([16]):

 

من يتصدى للكتابة عن السيدة زينب لا يجد محيصا من الكتابة عن والدها الشيخ محمد بن أبي القاسم الهاملي الشريف الحسني. مؤسس زاوية الهامل الشهيرة ويرتفع نسبه إلى مولانا إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامـل بن الحسن المثـنى بن الحسن السبط بن فاطمة بنت رسول الله  r

ولد سنة 1240 هـ ببادية « الحامدية » بولاية الجلفة، أمه السيدة عائشة بنت مازوز، شريفة حسنية من أقارب والده، اشتهرت هي أيضا بالصلاح والتقوى والزهد ومحبة الصالحين, نزل بزاوية الشيخ أحمد بن أبي داود بزواوة. وأقام بالزاوية المذكورة لتعلم الفقه والنحو وعلم الكلام والفرائض والمنطق وغيره، وبرز في ذلك.

شرع في التدريس بمسجد الشرفة المعروف بالجامع الفوقاني، عرفت دروسه شهرة وذكرا طيبين في المناطق المجاورة،

أقام ثماني سنين لتعليم الناس بالجامع الفوقاني، ولم يفارقه ليلا ولا نهارا إلى تمام سنة 1272 هـ = أوت 1855م.

بأول سنة 1273 هـ= 1 سبتمبر 1856م انتقل إلى قطب وقته الشيخ المختار بن عبد الرحمن بن خليفه بزاويته المعلومة بأولاد جلال ـ إحدى قرى الزاب ـ فأخذ عنه أوراد الطريقة الرحمانية ولازمه إلى وفاته سنة 1278هـ، وبأول سنة 1279 هـ= 29 جويليت 1862, رجع إلى بلاده الهامل.

وفي سنة 1279هـ= 1862م شرع في بناء زاويته المعمورة في سفح جبل يقال له « عمران »، دخل زاويته ـ وكانت الزاوية الوحيدة الموجودة بالمنطقة ـ رفقة الأهل والإخوان أول محرم الحرام 1280 هـ= 18 جويليت 1863م. وعمل مساكن للطلبة والإخوان خارجة عن منازله الخصوصية، فكانت نحو المائة مسكن وهي من عمل الطلبة والإخوان بحيث أنه من رغب في السكنى يبني دارا ويحبسها على الزاوية. ومع اشتغاله بالخلق على كثرة أصنافهم لا يترك الدروس في علوم عديدة منها: الفقه، الحديث، التفسير، النحو، الكلام وغير ذلك.

وذاعت شهرة الشيخ في المناطق المجاورة، فقصد الزاوية الطلبة من كل مكان من: المدية، تيارت، شرشال، سطيف، المسيلة، الجلفة ………

وتوافد على الزاوية الأساتذة والعلماء من جميع الجهات، وتحولت إلى مركز لقاء بينهم ومنتدى علمي ثقافي يؤمه خيرة علماء البلد. وصفها أحد الشيوخ فقال: »كانت الزاوية المعمورة محلا للعلماء العاملين ». وكان يرتادها في هذه الفترة ما بين 200 و 300 طالب سنويا. يدرسهم 19 أستاذا على رأسهم الأستاذ نفسه.

  • · من أعماله:

في سنة المجاعة1285هـ= 1868م قام الشيخ بإيواء عشرات العائلات والإنفاق عليها.

سنة 1288هـ = 1871م, ساهم بمد ثورة المقراني بالرجال والسلاح, وبعد الهزيمة أحضر أبناء الزعيم المقراني, و حوالي ثمانين عائلة من الذين تضرروا من اضطهاد سلطات الاحتلال, وأقاموا بالزاوية معززين مكرمين, ولا يزال « حي المقارنة » بالقرية شاهدا على ذلك.

اهتم رضي الله عنه بتعمير الأرض واستصلاحها وزراعتها، وذلك لتأمين مصدر رزق للزاوية، فاستصلح عشرات الهكتارات بوادي الهامل والمناطق المجاورة له، كمرحلة أولى، وبنى به السدود وشق السواقي ورفعها، وجعل كل ذلك وقفا على الزاوية يستفيد منه الطلبة والفقراء والمحتاجين، ثم بدأ في مرحلة ثانية بشراء الأراضي الزراعية في المناطق الأخرى مثل المسيلة والجلفة وتيارت والمدية تيزي وزو وغيرها من المناطق، وجعلها أيضا وقفا على طلبة العلم من رواد زاويته.

كما أوقف أموالا وعقارات وبساتين على زوايا شيوخه في أولاد جلال، برج بن عزوز، آقبو، طولقة والجزائر العاصمة, على مقام محمد بن عبد الرحمن الأزهري، بل هو الذي بنى الحائط الذي يحمى المقبرة ويحيط بها.

وكان يدفع مرتبات دائمة لطلبة العلم والقرآن الكريم بالحرمين الشريفين ويساعد العلماء والشيوخ في ذلك، تشهد بذلك مراسلاتهم الكثيرة والمتعددة. أنشأ أكثر من ثلاثين زاوية تابعة للزاوية الأم بالهامل. توفي t أثناء عودته من العاصمة وهو في طريقه إلى بلده الهامل، ومات بالمكان المسمى بـ » حدّ السحـاري »، وذلك بتاريخ أول محرم الحرام 1315هـ = 2 جوان 1897. عن عمر يناهز 73 سنة.

وبفضل مكانة الشيخ ومستواه وانتمائه إلى أهل البيت, أعطى الشيخ بعدا آخرا للطريقة الرحمانية, وامتد بواسطته تأثيرها إلى أبعد المناطق الممكنة.

جاء في أحد التقارير السرية للضباط الفرنسيين:  » … وشيئا فشيئا بدأ مقدموه بالتوغل في بلاد القبائل, وحتى إلى البلاد التونسية, وذاع اسم الشيخ محمد بن أبي القاسم, أكثر فأكثر ».

ربطته علاقات ممتازة ـ دلت عليها المراسلات الكثيرة الموجودة بمكتبة الأسرة القاسمية ـ مع الأسر الثورية في الجزائر: المقراني، بوعزيز، الأمير عبد القادر، وكذا الأسر العلمية: أبناء أبي داود، أسرة محمد بن عزوز البرجي، أسرة علي بن عمر الطولقي، باش تارزي بقسنطينة، الحداد ببلاد القبائل، بن الحفاف بالجزائر العاصمة, الموسوم بقصر البخاري، غلام الله بتيارت…مما حير عقول الضباط الفرنسيين وأثار دهشتهم. كما عبروا على ذلك في تقاريرهم السرية التي كانوا يرفعونها دوريا إلى الحكومة العامة بالجزائر.

ما وجدناه في إحدى الوثائق بخط الشيخ محمد بن أبي القاسم الهاملي، تكلم فيها عن نفسه بصيغة الغائب، ولعله وضعها للشيخ محمد بن الحاج محمد تسهيلا له في كتابة الترجمة ـ وهي موجودة بخزانة الشيخ خليل القاسمي الحسني t، أطلعني عليها الأخ فؤاد القاسمي الحسني بمنزله بالمقطع، يوم السبت 16 أوت 2003م ـ ما يلي:  » سنة 1260 هـ نزل بزاوية الشيخ البركة والعناية المتفنن الراسخ في علوم شتى سيدي أحمد بن أبي داود بزواوة عموما، عرش يلولة خصوصا، في قرية تاسلنت، بزاويته المشهورة المعلومة، فأقام بالزاوية المذكورة خمس سنين لتعلم الفقه والنحووعلم الكلام والفرائض والمنطق وغيره، وبرز في ذلك ولله الحمد فأذكره. ثم بعد الخمس سنين قدم إلى بلده قرية الهامل ـ 1265هـ ـ فأقام بها ثماني سنين لتعليم الناس الفقه وغيره بزاوية القرية المعلومة المسمى الجامع الفوقاني، ولم يفارق الجامع ليلا ولا نهارا إلى تمام سنة 1272هـ. وبأول سنة 1273هـ انتقل إلى قطب وقته وكهف أوانه مرب المريدين نبراس السائرين، دستور الواصلين الجامع بين علم المعقول وعلم المنقول شيخه سيدي المختار بن عبد الرحمن نجل البركة سيدي عبد الرحمن بن خليفه بزاويته المعلومة بأولاد جلال إحدى قرى الزاب فأخذ عنه أوراد الطريقة الرحمانية، ولازمه من أول سنة 1273 هـ إلى أول سنة 1278 هـ، وتوفي فاتح السنة المذكورة بعدما أجازني في إعطاء أوراد الطريقة الرحمانية، وتوفي وهو عني راض، أسكنه الله الفردوس الأعلى، وكان يحبني أكثر من محبة أولاده من صلبه، وأقمت بزاويته المذكورة بعد وفاته ما يقرب من تمام السنة. وبأول سنة 1279هـ رجع لبلاده قرية الهامل، فبنى بها زاوية للطلبة والإخوان والأرامل والأيتام والزمنى والعميان، فتعلم عنده بالزاوية المذكورة خلق كثير قراءة القرآن والفقه والنحو وغير ذلك من العلوم العقلية والنقلية وإعطاء أوراد الطريقة الرحمانية. »  انتهى نص الوثيقة المأخوذة من خط الشيخ المؤسس نفسه.

  • · زاوية الهامل القاسمية الرحمانية :

ترجع أهمية الزاوية ـ التي تضم أكثر من مئة زاوية تابعة, وأكثر من 500 مقدم أو نقيب, والتي استحقت عن جدارة لقب  » أم الزوايا  » بالشمال الجزائري, وحتى بالشمال الإفريقي ـ ترجع أساسا للدور العظيم الذي قامت به في تاريخ الجزائر الحديث.

ـ عوامل دينية: الطريقة الأهم الموجودة بالمنطقة ـ منطقة بوسعادة ـ هي الطريقة الرحمانية أو الخلوتية ـ التي تضم أكبر عدد من المريدين ـ أكثر من 90 بالمئة ـ من بوسعادة والقرى المجاورة لها.

يوجد ببوسعادة فرع للطريقة العمارية, أتباعه لا يتجاوزون الأربعين فردا, برئاسة الشيخ « جسيني بلقاسم « , وفرع للطريقة الشاذلية, برئاسة  » بن حامد سي عثمان  » يضم حوالي 30 نفرا.

الزاوية الوحيدة الموجودة بالمنطقة هي زاوية الهامل, تبعد 15كم على بوسعادة, أسست في منطقة تعبق بالأسطورة, من طرف الشيخ محمد بن أبي القاسم…..( حياة الشيخ العلمية بدون تفاصيل جديدة ). إلا أنه أعطى مكانة أكبر لزاوية أولاد جلال بعد أن تولى مشيختها. لم يرغب أبناء بلدة أولاد جلال في بقائه بين ظهرانيهم, وتمسكوا بابن الشيخ المحتار, مما اضطر الشيخ محمد بن أبي القاسم إلى مغادرة المكان والعودة إلى قريته وتأسيسه زاويته بها.

تعيد الرواية المتداولة إلى أن تأسيس قرية الهامل يعود إلى سنة 800 هـ, من طرف الشريفين مغربيين سيدي عبد الرحمن بن أيوب, وسيدي أحمد بن عبد الرحمن.

مستثمرا بركة الشيخ المختار أعاد الشيخ محمد بن أبي القاسم إحياء الزاوية التي أسسها سنة 1849, التي سرعان ما أصبحت عبارة عن معهد ديني تدرس به كل العلوم الشرعية واللغوية, دون أن ننسى قواعد الطريقة الرحمانية. التي كانت تدرس من طرف الشيخ نفسه.

بفضل مكانة الشيخ ومستواه وانتمائه إلى أهل البيت, أعطى الشيخ بعدا آخرا للطريقة, وامتد بواسطته تأثير الطريقة الرحمانية إلى أبعد المناطق الممكنة. بعد سنوات, وشيئا فشيئا بدأ مقدموه بالتوغل في بلاد القبائل, وحتى إلى البلاد التونسية, وذاع اسم الشيخ محمد بن أبي القاسم, أكثر فأكثر.

ترك ورائه ابنته الوحيدة  » لالا زينب  » والتي تولت مشيخة الزاوية بعده, وأدارت شئونها مدة سبع سنوات, واتبع خطوات أبيها خطوة خطوة, ولم تحد عنها قيد أنملة, في التعليم أتمت بناء المسجد, الذي بدأ بناؤه والدها.

بعد وفاتها تولى ابن أخي الشيخ المؤسس  » محمد بن الحاج محمد  » وأعاد تنظيم زاوية القرآن, عالم كبير. توفي في شهر ماي 1913, أخوه الحاج المختار, خلفه في تسيير الزاوية, في السنوات العصيبة, من 13 ـ 1915. الشيخ بلقاسم خلف أخاه سنة 1915, واصل عمل أخيه الحاج المختار, إلى غاية نهاية الحرب, كريم جدا, في المجاعة التي وقعت سنة 1920 استقبل أكثر من 20 ألف من المشردين والفقراء. في سنة 1927 توفي الشيخ بلقاسم وتولى بعده الشيخ أحمد. دامت ولايته سنة واحدة فقط, حيث توفي سنة 1928. بعد وفاته تولى الشيخ مصطفى بن الشيخ محمد. في سنة 1937 انعقد ملتقى لاحتفال بمولد الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري, ببلكور بالجزائر, وهناك تم تأسيس « اتحاد مشايخ الطريق الصوفية بالشمال الإفريقي » وتم تعيين الشيخ مصطفى رئيسا لهذا الإتحاد.

 

  • · نشأة لالة زينب القاسمية :

في أحضان قرية الهامل تلك القرية الحالمة الوادعة التي تحمل تاريخ الشرف المؤثل والطهارة والقداسة وتعتز بهما أيما اعتزاز, ترنو إلى أفق بعيد يحمل إليها رشحات فكر جديد، تستيقظ القرية باكرا، يعمل أهلها في البساتين والحقول المجاورة، وينصرف بعضهم إلى تدريس القرآن الكريم وعلومه وقد اشتهرت القرية بذلك منذ عهد المؤسسين لها، ولدت السيدة زينب والتي تعرف في التاريخ المحلي باسم « لالا زينب ».

وذلك سنة 1850 على الأرجح، إذ تاريخ ميلادها من القضايا التي أسالت الحبر واختلف حولها الباحثون: فوثائق سلطات الاحتلال ترى أنها من مواليد 1870، إذ أنها توفيت ولها من العمر 35.

بينما نجد عند إيبرهارد أنها لم تبلغ الأربعين سنة 1903، فهي تقول عنها: « تبدو (لالا زينب) في الخمسين مع أنها لم تبلغ الأربعين بعد ».

ولكن نجد في إحدى الوثائق الخاصة بها في رسالة وجهتها إلى قاضي المالكية بالجزائر الشيخ ابن زاكور: « امرأة بكر مرجوة الخير موسومة عند العامة بالصلاح تالية لكتاب الله تعالى ذات عقل وصيانة تنفق مالها في سبيل الله على ذوي القرابة واليتامى والمساكين فشنع عليها من أقاربها بعض الأطراف ونسبها للسفه والإسراف وسنها ينيف عن السبعة والأربعين عاما 47 وأدعى أنها مريضة بالسل وشهادة الطبيب الدولي ناطقة بسلامتها منه… »

وهذه الوثيقة بتاريخ 1897 ـ تاريخ بدء نشوب الصراع ـ  فيكون مولدها بذلك سنة 1850.

طلق الشيخ والدة السيدة زينب لأسباب لا نزال نجهلها وأبقى على ابنته عنده، لزواج أمها من شخص آخر،  واهتم بتربية ابنته الوحيدة على مبادئ الدين الحنيف وأخلاق الشريعة الإسلامية السمحاء.

نشأت في جو التقاليد الاجتماعية المتوارثة لكن انفتاح فكر والدها وتمسكه الشديد بالسنة النبوية المطهرة التي تضع المرأة في الدرجة العليا، جعله يختلف عن أهل قريته في تربية ابنته فقد وفر لها معلم القرآن الكريم الخاص، وكانت المرأة نادرا ما تلتحق بالكتاب أو المسجد لحفظ القرآن جنبا إلى جنب مع الرجل, وتولى تعليمها بنفسه.

ثابرت السيدة زينب على الدرس والتحصيل بذكاء نادر، ودفعها إلى ذلك طموح شديد واعتناء الوالد بها، حتى وصلت في العلم درجة طيبة, ومنحها الأب ـ لما لمس فيها هذه الملكة وهذا الشغف المتزايد بالعلم ـ مفاتيح مكتبته الثرية فكانت تقيم بها الأيام والليالي الطوال قارئة ومستفهمة ولائذة بأفكار أولئك الرجال الذي سطروا بأقلامهم توجهات وأفكار البشرية منذ وجدت على هذه الأرض، فكانت تخلد إلى هذا المكان الهادئ المفيد ولا تخرج منه إلا لماما.

 

وكان منزل الوالد الشيخ محمد بن أبي القاسم مقصد الطلاب والزائرين من كل مكان, لا يخلو يوما من الحركة والذهاب والجيئة، وهنا عرفت البنت معنى القداسة والطهارة والاحترام والتجلة, عرفت معنى المحبة والإيثار والإخلاص، عرفت قيم التضحية والصبر والمجابهة، عرفت أن الإنسان محكوم عليه في عصره أن يناضل ويقاوم ويقاتل من أجل فكرة من أجل قضية من أجل مبدأ. وقد كان الأب بالنسبة لها رمزا لكل تلك المبادئ والقيم.

من المبادئ أيضا التي استلهمتها من حياة والدها أنه لا يعرف للاستسلام طريقا, أن لا يعرف خطوات العودة إلى الوراء, أن لا يتراجع حيث لا يجب التراجع, أن يواصل طريقه بعزم وثبات مهما كلفه ذلك من خطوب ومحن ما دام يسلك طريقا حقا, ويطلب حقا وما ضاع حق ورائه طالب. وكانت البنت تكن للوالد البار أسمى آيات المحبة والتعظيم والامتنان، وظلت إلى جواره ترعاه وتهتم به ولم تفارقه لحظة في حله وترحاله، فقد كانت تسافر معه أينما ذهب في جولاته الكثيرة والمتعددة لنشر العلم والطريقة أو فك الخصومات والنزاعات.

تولت جرد أوقاف زاوية والدها الذي كان لا يغفل عن جلسة المساء يجلس إليها يحاورها يناقشها، ويطلعها على أهم أعماله ومنجزاته. وقد عرفت بشخصيتها المستقلة وفكرها الحر ونظرتها الخاصة للحياة، وأسلوبها المعين في النظر إلى الأشياء والحكم عليها. فأخذت من كل ذلك فكرة عن التسيير الحسن والتدبير الجيد، وإطلاعا على ما يجري خارج الزاوية من أحداث وعلاقات وتكونت لديها صورة واضحة عن مجريات الأمور، ساعدتها فيما بعد على التحرك والتصوف الحسن.

 

  • · صراع لالة زينب مع الإدارة الفرنسية:

مرت العلاقة بين سلطات الاحتلال والزوايا بمرحلتين أساسيتين:

1 ـ مرحلة المقاومة: بقيادة الأمير عبد القادر, شاركت معظم الطرق الصوفية والزوايا في حركة المقاومة المنظمة بقيادة الأمير,

2 ـ مرحلة السكون: بعد فشل ثورة 1871 بقيادة الشيخ محمد أمزيان الحداد شيخ زاوية صدوق, تهديم الكثير من الزوايا التي شاركت بصفة مباشرة في الثورة. زاوية آيت إسماعيل, زاوية صدوق…

حاولت السلطات ضرب استقلالية هذه المؤسسات، صادرت الأوقاف التابعة لها، فرضت عليها الضرائب والأتاوات، منعتها من جمع الزيارات, وقد نجحت هذه الآلة الاستعمارية الرهيبة إلى حد ما في ضرب هذه الاستقلالية. وأصبحت كثير من الزوايا تحت المراقبة وتحت طائلة المتابعة والمصادرة والغلق إن هي لم تلتزم بالقوانين أو خالفت الأوامر.

وفي مرحلة تالية حاولت سلطات الاحتلال توظيف بعض الزوايا لصالحها, وقد كانت حذرة شديدة اليقظة والتنبه تجاه هذا التوظيف، ولم تتمكن سلطات الاحتلال في فترة السيدة زينب من استغلال الزاوية لأغراضها الخاصة للعداوة الشديدة بين السيدة زينب وحاكم مدينة بوسعادة.

تطورت العلاقة بين الطرفين في اتجاه العداء والنفور، بدءا من تقسيم التركة إلى الخلافة على رأس الزاوية. إلى سلسلة التحقيقات والمحاكمات التي جرت بكل من الهامل وبوسعادة. وأخيرا الجزائر العاصمة التي حكمت لصالح السيدة زينب في خلافة والدها على رأس الزاوية. وثائق سلطات الاحتلال خالية من أي إشارة إلى مثل هذا التوظيف.

وبعد وفاة الوالد المربي العظيم والأب الرءوف، بدأت المشاكل تترى والخلافات تظهر في الأفق, والصراعات من أجل الحصول على مكاسب دنيوية وأغراض زائلة تطفو على السطح، فكان الكل يعتقد أن خلافة الولي الصالح ستؤول حتما إلى ابن أخيه وتلميذه محمد بن الحاج محمد, الأعيان الأعراش سلطات الاحتلال ولم يكن أحد يتوقع أن ترفض السيدة زينب هذا الأمر، وأنها ستبقى حبيسة البيت تؤيد وتبارك خلافة ابن عمها وتمنحه السر والأمان, إلا أن الذي حصل كان عكس ذلك فقد ناهضت السيدة زينب تعيين ابن عمها على رأس الزاوية ولم تعترف به شيخا، حتى أنها نصبت نفسها وتولت مشيخة الزاوية التي كانت ترأس الطريقة الرحمانية وهي أكبر طريقة آنذاك من حيث عدد الأتباع والمريدين والزوايا والطلبة والمقاديم.

وقفت السيدة زينب في وجه سلطات الاحتلال ولم ترضخ لأوامرها القاضية بتسليم مفاتيح الزاوية إلى الشيخ محمد والابتعاد كلية عن مشيخة الزاوية.

وبالرغم من استخدام فرنسا لكل الوسائل النظيفة منها والقذرة لزحزتها عن موقفها وإجبارها عن التنازل: التهديد، الوعيد، الترغيب، الاستجواب، الإقامة الجبرية، الدعاية المغرضة، الحرب النفسية، إلا أنها لم تفلح في محاولاتها. والذي قاد الحملة ضدها هو القائد الفرنسي كروشار رئيس المكتب العربي ببوسعادة.

استعملت السيدة زينب الوصية الموثقة على يد قاضي بوسعادة التي كتبها لها والدها في سنة 1877 والتي تضع كل أملاكه تحت تصرفها على شكل حبس عائلي، على أن تأخذ هي منه النصف خلافا لما جرت به العادة، وفسرت السيدة زينب ذلك بأن هذه الوثيقة تعطي لها الحق في خلافة والدها.

رفعت السيدة زينب القضية لمحكمة الجزائر للنظر فيها، فحكمت في أن الحق مع السيدة زينب، وذلك بإيحاء و إيعاز من السلطات العليا للحفاظ على الأمن و الاستقرار في المنطقة.

وراسلت في قضيتها كل المفتين والأئمة المشهود لهم بالعلم والخير والصلاح ووقف جميعهم إلى جانبها وأيدوها في حقها في خلافة والدها، والبقاء على رأس الزاوية. ومنهم شيخ الأزهر آنذاك وقاضي الجزائر الشيخ ابن الحفاف.

وتذكر التقارير الفرنسية أن « كروشار » لما أيس من رضوخها وأعيته السبل والحيل، أراد القضاء عليها بواسطة القوة، ولما رفع الأمر إلى الحاكم العام بالجزائر أمره بالعدول عن فكرته تلك. وقال له: نحن غير مستعدين من أن نجعل منها جان دارك أخرى.

وهي عبارة تحمل الكثير من الدلالات والمعاني, وتعطي فكرة على قوة ومكانة السيدة زينب في الأوساط الشعبية. ومال الكل إلى المسالمة والموادعة، ورضوا من الغنيمة بالإياب.

  • · أبرز أعمال لالة زينب :

قيادة الزاوية والقدرة على تسييرها بنجاح فائق:

فقد قادت الزاوية في ظروف عصيبة جدا. كانت سياسة المحتل تهدف إلى القضاء على النفوذ الروحي الكبير الذي تتمتع به الزوايا،  القضاء على ما تميزت به الطرق الصوفية من استقلالية سياسية اقتصادية اجتماعية عن مختلف السلطات التي عرفتها البلاد. محاربة سلطات الاحتلال لاستقلالية الزوايا. حجر عليها جمع الزيارات.

كانت تفتح يومها بصلاة الفجر ببيتها وبتلاوة جزء من القرآن الكريم, وكانت دائمة التكرار لسورة المؤمنون، ولست أدري لماذا؟ ثم تخرج إلى مقابلة الزوار والمريدين وتتفقد أحوال الطلبة والمقيمين بالزاوية، تقضي حاجات الناس وشئونهم وتسهر على رعاية مصالحهم وقضاياهم، تساعد الفقراء والمحتاجين, وترفع الغبن والظلم عن المضطهدين والمظلومين، والوقوف على حاجات الأتباع والمريدين.

تستقبل الضيوف والزوار من كل مكان, ولعل شهرتها قد بلغت العالم الغربي، فكان يأتي إلى زيارتها والتعرف عليها الكثير من أعلام العالم الغربي, من أدباء وصحافيين وسياسيين، معجبين بشخصيتها وصلابتها في طلب الحق, وتأثيرها على مجتمعها الذي تعيش فيه، وكانوا يرون فيها أنموذجا متميزا للمرأة العربية التي خرجت عن التقاليد والأعراف البالية وتولت تسيير مؤسسة دينية بهذا المستوى من الأهمية والقوة، لها قاعدة شعبية كبيرة, وتأثيرا خطيرا على مناطق عدة من الوطن، ومما تميزت به السيدة زينب ذلك الحضور القوي والشخصية الفذة, فلنستمع إلى دي غالان في وصفه لها:  » … إنها لالا زينب في ثوبها الناصع البياض وسط شعبها، وكأنها ملكة أو راهبة، وسرت رعشة في الجماهير المحتشدة لتحيتها ثم تلاها سكون مطبق ».

تعود بعدها إلى مكتبتها تنهل من أمهات الكتب وتأنس بها، إذ لا أنيس لها بعد وفاة والدها العظيم، وقد عاشت حياتها كاملة عزباء دون زواج، وقد أسرت إلى صديقتها إيزابيل ابرهاردت أنها سخرت حياتها كلها لخدمة الناس والضعفاء والمحتاجين, فلا مكان لديها للزواج أو العواطف والمشاعر الزوجية. ولا وقت.

ـ بناء المسجد:

ولعل من أبرز أعمالها التي خلدت ذكرها، وشهدت لها بالتسيير الحسن وبعد النظر والقدرة على التحكم في مداخيل الزاوية وتوظيفها أحسن توظيف هو مواصلة بناء مسجد والدها « المسجد القاسمي » الذي يعتبر تحفة معمارية فريدة من نوعها، وآية من آيات الفن الإسلامي، استهلك آلاف الفرنكات وبنائيين من جنسيات مختلفة إيطالية تونسية مغربية وفرنسية، ساهمت كلها في إنجاز هذا المشروع الضخم الذي كان يعد حسب ظروف المكان والزمان مظهرا من مظاهر الروعة والجلال والغنى، ودليلا على عناية السيدة بالدين الإسلامي وتخليدا لذكرى والدها الراحل، وقد تركه والدها على ارتفاع حوالي متر، فواصلت المشوار بعزيمة وثبات، غير ملتفتة إلى أصوات المثبطين والمرجفين من المغرضين والذين يريدون زعزعة هذه المؤسسة الدينية الهامة، وإثارة المشاكل وإبعاد السيدة عن مشيخة الزاوية. وقد تم البناء سنة 1904 أي بعد سبع سنوات من وفاة الوالد. قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي: « أما المسجد نفسه وغير هذه القبة (قبة المسجد الجامع) فمن بناء ابنة الشيخ السيدة زينب من خالص مالها رضي الله تعالى عنها ».

 

ـ موقف مع الشيخ عاشور الخنقي:

نفي الشيخ عاشور بسبب المشاكل التي وقعت له جراء  ظهور أجزاء لم تكمل من كتابه ((منار الإشراف)) إلى إقليم « تعظميت » بأقصى جبال العمور، وهو منطقة جرداء قاسية موحشة شديدة البرودة، ومكث في هذا المنفى أزيد من سبع سنوات، قاسى فيها كل أنواع العذاب والابتلاء، وتوسطت  له السيدة زينب رضي الله عنها والشيخ السعيد بن زكري مفتي الجزائر لدى السلطات الاستعمارية فأفرج عنه بكفالة السيدة زينب وضمانتها ، فعاد إلى نشاطه وحركته العلمية الدءوب بالزاوية القاسمية العامرة. وشرع في تنقيح كتابه ((منار الإشراف)) وتصحيحه، وقدمه للطبع بعد أن أوصى بإحراق ما عداه من النسخ الخطية التي كانت تسربت إلى الأيدي قبل أن تنقح. وبعد وفاتها عاد إلى قسنطينة.

 

 

ـ أوقاف الحرم المدني:

واصلت الإشراف على أوقاف الزاوية بالحرمين الشريفين وأبقت وكيل الزاوية الشيخ أحمد الأمين بن عزوز على وظيفته في السهر على تسيير تلك الأوقاف, كما واصلت دفع أجور علماء الحرم المدني التي كان والدها قد رتبها لهم، سعيا إلى عمارة المسجد النبوي ـ وهي ظاهرة وجدناها عند الجزائريين الموسرين ابتداء من العهد التركي ـ وقد خاطبوها بقولهم: « نخبة الأشراف من آل هاشم بن عبد مناف وصفوة السلالة النبوية وخلاصة العترة المصطفوية وزهرة بني الزهراء البتول وباكورة أبكار الحسن سيد المسلمين وريحانة الرسول r، ذات المنصب الذي علا الأفلاك والقدر الموروث ممن خاطبه الجليل بلولاك لولاك….سيدتنا ومولاتنا الحرة المصونة والجوهرة المكنونة السيدة زينب… ».

وفي مراسلة للشيخ أحمد الأمين إلى السيدة زينب يقول:  » فلتعلم سيدتي أن كافة المدرسين في الحرم النبوي تزيد على المائة, وحاصل ما أشرتم إلى التقسيم عليهم يزيد على الثلاثمائة, مع أن أكثرهم أغنياء, فلا يمكن أن نقسم عليهم قسمة عادلة, والرأي عندي أن نجعل راتب لعشرة طلبة وأظنه يتيسر أن يكون للطالب الواحد في كل سنة 8 دورو, يجتمعون ويقرأ كل واحد منهم يوميا حزبين, فيتمون كل واحد في الشهر يختم القرآن, وقد كان الأستاذ أشار إلي بهذه الكيفية ولكن المنية عاجلته…. ».

 

 

  • · عوامل النجاح:

بعد هدوء العاصفة وزوال المخاطر واستسلام الجميع، واصلت السيدة زينب مسيرة والدها الرائدة، وسارت على نهجه وحافظت على طريقته، من تعليم العلم، وإرشاد الخلق وفك النزاعات، وإطعام الطعام والإحسان للفقراء والمساكين، كما حافظت على تماسك الطريقة الرحمانية.

والسؤال هو لماذا نجحت السيدة زينب في قيادة الزاوية طوال هذه الفترة من 2 جوان 1897 إلى 13 نوفمبر 1904؟.

الإجابة عن هذا السؤال تتطلب التأني والتريث والتدقيق للوصول إلى معرفة الأسباب الحقيقية التي كانت وراء نجاح السيدة زينب في مهمتها الشاقة تلك, وهي قيادة الزاوية الهاملية ـ والتي كانت تمثل حينها أقوى مؤسسة دينية واجتماعية، بما تملكه من نفوذ روحي وتأثير على مختلف طبقات الشعب وبما لديها من ثروات مادية طائلة، إذ كانت ثروتها تقدر بعشر الثروات الخاصة في الجزائر ـ وعدم الانحراف بها عن الجادة ومواصلة درب المؤسس والوصول بها إلى بر الأمان. وسط الأوضاع السياسية والاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد.

ولعلنا نستطيع مقاربة جملة من الأسباب هي:

1 ـ الصفات الشخصية للالة زينب :

ـ قوة الشخصية: تتمتع بشخصية قيادية، قوية ورثتها عن والدها الشيخ محمد بن أبي القاسم، وكانت منظمة ومنضبطة قوية التأثير على من حولها.

في 12 جويليت 1897 صرحت السيدة زينب أنها ترفض الصلح الذي أجراه قاضي تامسة بإشارة من حاكم دائرة بوسعادة كروشار. وأشهدت على ذلك جما غفيرا, وعلى أنها تقوم بحقها متى طلبته في المستقبل.

جذبت قلوب الآلاف من المريدين والأتباع بسبب شخصيتها القوية المتميزة، ومواقفها الشجاعة النبيلة، ووقوفها الدائم إلى جانب الفقراء والمحتاجين والمستضعفين. وهذا الكم الهائل من القصائد التي تتغنى بأخلاقها وصفاتها، أكبر دليل على محبة الناس لها. « الاستقلال كان يتطلب ثقافة سياسية عالية, هذا الأمر لم يكن متوفرا لدى رئيس القبيلة الذي كان يصارع مع قبيلته من أجل البقاء في مجال جغرافي صعب تتحكم فيه الأمطار والمراعي وكل طموحاته تنحصر إما في اعتراف الدولة بزعامته أو السيطرة على هذه القبيلة أو تلك حتى تستغل مراعيها لصالح جماعته ».

ـ الكرم: « ولقد كانت مضرب الأمثال في الكرم والسخاء، حتى أنها اتهمت بتبديد ثروة والـدها في القيام بشؤون اليتامى والمحتاجين ».

أنفقت أموالها التي ورثتها عن والدها على الفقراء والمساكين ولم تبق منها شيئا, وكانت تدفع من مالها الخاص لترفع الغبن والظلم عن المحرومين والمضطهدين. آوت عائلات كثيرة في زاوية والدها وأنفقت عليهم من مالها وليس من أموال أوقاف الزاوية.

وجاء في حكم من محكمة بوسعادة: شهد فيه ولدي الشيخ مصطفى بن الشيخ المختار الجلالي، وهما محمد بن أبي القاسم ومحمد بن عزوز، أنهما قبضا من السيدة زينب بنت الشيخ مبلغ 34 ألف فرنك كانت وديعة عند الشيخ وقد دفعتها لهما سابقا عن طريق أحد الوكلاء إلا أنه تصرف فيها، ودفعت السيدة زينب المبلغ ثانية من مالها الخاص. وقد أنفقت أموالا طائلة في بناء المسجد الجامع بالزاوية والذي يعد تحفة معمارية خالدة.

ـ التواضع: ويمثل تواضعها قمة ذكائه الاجتماعي وسط جماعات متنافسة وشديدة الحساسية لخصوصيتها وتميزها فلم تتعاظم عليها لا بحكم جذورها المرابطية ولا بحكم شخصيتها البسيطة المتواضعة ومشيختها لمركز ديني مشع وقطب روحي فسيح تذوب فيه كل المنازعات والخلافات ويرتفع بالجميع من خصوصياتهم الضيقة إلى أفق روحي ووطني سامٍ يجمع بين خيري الدنيا في الدفاع عن الأرض والعرض والآخرة بالفوز بالجنة والنعيم المقيم.

« فوقع الالتقاء بين الاعتراض السياسي والإيديولوجي من ناحية والوسط الاجتماعي المعدم والمهمش من ناحية أخرى. وإن حصل ذلك بشكل عفوي ». على حد تعبير لطيفة الأخضر.

ـ الذكاء: ويكفينا دليلا على عبقريتها وتميزها، تخوف فرنسا الشديد منها، ومحاولاتها الدائمة لسحب البساط من تحت أقدامها، ثم أن السلطة الاستعمارية لم تشك يوما أن الخلافة ستؤول إليها يوما ما لذا كانت مطمئنة مرتاحة البـال، لكن لما فوجئت بما لم يكن في الحسبان، بدأت في الصراخ والعويل، والبحث عن البديل.

وأنه ليعجبني تلاعبها بالسلطات الفرنسية فالسياسة هي فن الممكن، وتكذيبها الدائم والمستمر لممثلي الحكومة الفرنسية، ومراسلاتها المباشرة إلى الحاكم العام بالجزائر، كأنها لا تريد النزول إلى مستويات أقل منها بكثير.

2 ـ الانتماء إلى الشيخ محمد بن أبي القاسم: فهي سليلة الشيخ محمد بن أبي القاسم،

 

3 ـ المواجهة مع العدو:

 

4 ـ وقوف الأعراش والقبائل إلى صفها:

 

5 ـ مساندة العلماء والقضاة لها:

مفتي الديار الجزائرية ابن زاكور، الأمير الهاشمي بن الأمير عبد القادر، أبناء المقراني، الشيخ محمد الصغير بن الشيخ المختار الجلالي، الشيخ أحمد الأمين، علماء الأزهر الشريف، علماء الحرم المدني…..

وجمعت حولها كوكبة من الرجال، مرابطين في أغلبهم.

6 ـ وضوح الهدف:

وهو مواصلة درب والدها المربي الكبير والثبات عليه كان لازمة السيدة زينب حتى النهاية.

 

7 ـ  الإعلام:

وتوظيفه لصالح حملتها ضد المناوئين لها ممن ادعوا الحق في مشيخة الزاوية. الاتصالات المستمرة بالمشايخ والأعيان والقضاة, اللجوء إلى معارف والدها وعرض قضيتها عليهم بعد أن ضايقتها سلطات الاحتلال, فكان أن انتصر لها الكثير من أعيان البلد ووجهائه، وحتى خارج الوطن عرضت السيدة زينب قضيتها على الأزهر الشريف فأفتى بأحقيتها في وراثة والدها على رأس الزاوية.

الاتصال المباشر بالحاكم العام بالعاصمة.

 

8 ـ  احترامها للخصوصيات القبلية والجهوية:

لقد ساعدت هذه الصفة على حياديتها ومقبوليتها لـدى شرائح واسعـة من المجتمع خصوصا القبائل الكبيرة. وخضوعهم لقيادتها دافعه روحي ديني، فقيادتها كانت تنسجم مع التيار العام للمجتمع وخاضعة لقوانينه وقواميسه وقد زادها رسوخـًا كونها عضوًا في حركة صوفية ذاع صيتها وانتشر أنصارها على مساحة واسعة من الوطن بل المنطقة الإسلامية كلها.

فتمكنت شعبيتها وترسخت أهليتها للقيادة وارتفعت بهذه الخلفية المرابطية والتمثيل للحركة الصوفية عن الاختلافات والمنازعات القبلية وتبعها الجميع دون غضاضة باعتبارها وريثة شرعية لزاوية والدها, وممثلة للطريقة الرحمانية في الجنوب الجزائري برمته.

 

9 ـ التسامح الديني وتطبيق تعاليم الإسلام السمحاء:

فكانت صديقة لايزابيل ابرهاردت, كما كانت تستقبل الضيوف الأجانب وتخصهم بالعناية والرعاية, المهندسون الذين شاركوا في بناء المسجد من جنسيات مختلفة إيطالية وفرنسية, وقد وفرت لأحدهم سكنا بمقر الزاوية. الطبيب المعالج لها كان من جنسية فرنسية. فكانت تفرق بين فرنسا الدولة وفرنسا الحضارة. تفرق بين الحكومة الفرنسية والشعب الفرنسي, وتعاملت مع الشرفاء الأحرار من مختلف الجنسيات والأديان. بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية.

 

  • · شهادات :

وصفت نفسها فقالت : « امرأة بكر مرجوة الخير، موسومة عند العامة بالصلاح، تالية لكتاب الله، ذات عفة وصيانة، تنفق مالها في سبيل الله على ذوي القربى واليتامى. ».

قال عنها الشيخ علي بن الحاج موسى قيم ضريح الإمام الثعالبي: « الدرة المصونة الفاضلة والخيرة البرة المتبتلة الناسكة القانتة السيدة زينب بنت العلاّمة الولي الصالح الشهير الشيخ سيدي محمد بن أبي القاسم ذي القدر الكبير المتوفاة بتاريخ 13 من رمضان 1322 اثنين وعشرين وثلاثمائة وألف هجرية, الموافق 18 الثامن عشر من نوفمبر عام أربعة وتسعمائة وألف مسيحية، من غير خلف لها بالكلية ولا وجود زوج لها البتة، عن عصبتها الخمسة أنفار أولاد عمها ».

وصفها الشيخ عاشور الخنقي فقال: « وتولت بعده ابنته أعجب العجب، وبضعته العذراء البتول، السيدة زينب الولية الصالحة، الغرة الواضحة، القارئة كتاب الله عز وجل، العالمة المتفقهة في الدين التفقه الأجل، ولله در صاحب الرسالة القائل (المرأة الصالحة خير من ألف رجل) فسارت في المقام سيرة والدها الرجل بالرجل والقدم بالقدم ».

قال عنها الكاتب الفرنسي « شارل دي غالان » : « وعند خروجنا من المكان المقدس (ضريح الشيخ محمد بن أبي القاسم) وجدنا أنفسنا أمام ساحة صغيرة عند أقدام الجدران العلية في مواجهة البوابة الرئيسية، حيث وقف الطلبة من ورائنا كان الضغط شديدا بسبب تجمع الأتباع والإخوان، لكنهم كعادتهم بنظام وسكينة، فجأة فتح باب ذو دفتين، وعند عتبته وقفت امرأة مكسوة كاللؤلؤة، إنها « لالا زينب » في ثوبها الناصع البياض وسط شعبها، وكأنها ملكة أو راهبة، وسرت رعشة في الجماهير المحتشدة لتحيتها ثم تلاها سكون مطبق. اقتربت منها وقبلت يدها، وقالت لنا: مرحبا بكم، وهو تشريف لنا وتقدير قلما حصل عليه الآخرون ».

ثم يقول عنها : « …..وشعرت كأن روح الشيخ تنبعث من جديد في شخصيتها، وأن سلطته تحولت إليها وأن النور الأبيض الذي يظهر من يوم لآخر حقيقة ويمثل الإيمان الحي ».

وتقول إيزابيل ابرهاردت :   »…..ربما هذه المرأة التي تلعب دورا إسلاميا عظيما هي الفريدة في المغرب الإسلامي ».

 

  • · خاتمـــة:

عرفت السيدة زينب رضي الله عنها بقوة شخصيتها وغزارة علمها، وحبها للناس وعطفها  عليهم، وتجلى ذلك بوضوح في صراعها مع أبناء عمومتها عندما تولت مشيخة الزاوية بعد وفاة والدها، فقد لقيت معارضة شديدة من طرفهم لسبب واحد فقط هو أنها امرأة. ومع هذا قاومت وصمدت وجابهت بعزم وثبات مؤامرة الاستعمار الفرنسي الذي لم يجد في الأخير إلا الانصياع لإرادتها وعدم التعرض لها خوفا من ثورة الأتباع وإثارة المشاكل والاضطرابات هم في غنى عنها، ورضوا من الغنيمة بالإياب وفشلت كل محاولاتهم للإطاحة بها، وبقيت على رأس الزاوية إلى أن لقيت ربها رحمها الله ورضي عنها.

ولعل القصائد الكثيرة والمدائح التي قيلت فيها والتي تعد بالعشرات تدل على مكانتها، وبقائها في الذاكرة الشعبية التي تخلد كل من احتل مكانة سامية في قلوب الناس وأثر في حياتهم وأعطاها بعدا إنسانيا وأخلاقيا عاليا. والتي ندعو من هذا المنبر المخلص إلى جمعها وتدوينها ودراستها، فهي تمثل كنزا من الكنوز التي تزخر بها الثقافة الشعبية الشفوية, وتسجل لنا أحداث مرحلة من مراحل تاريخ الجزائر المعاصرة، وموقف الطبقات الشعبية من السيدة زينب. بعد أن سجلت لنا الوثائق الفرنسية موقفها من السيدة، ووثائق السيدة موقف علماء عصرها منها.

 

 

 

مـلاحـق:

سؤال من السيدة زينب بنت الشيخ محمد بن أبي القاسم في الهامل يوم 8 جمادى الأولى سنة 1315هـ. لمفتي المالكية بالديار الجزائرية الشيخ محمد بن زاكور، هذا نصــه:

« امرأة بكر مرجوة الخير موسومة عند العامة بالصلاح تالية لكتاب الله تعالى ذات عقل وصيانة تنفق مالها في سبيل الله على ذوي القرابة واليتامى والمساكين فشنع عليها من أقاربها بعض الأطراف ونسبها للسفه والإسراف وسنها ينيف عن السبعة والأربعين عاما 47 وأدعى أنها مريضة بالسل وشهادة الطبيب الدولي ناطقة بسلامتها منه الخ.

فهل تسفه هذه الولية وهي بأوصافها تلك ويحجر عليها شرعا وتمنع من التصرف في مالها, وتصير عن مالها منعزلة بعيدة أم لا؟

  • ممتلكات السيدة زينب:

ـ دار الشيخ بالهامل قومت بخمسة عشر ألف فرنك.

ـ دار ساكن فيها عبد الله بن السعيد المقراني بماية وخمسين فرنك.

ـ دار ساكنها سي محمد بن عبد السلام وولده عبد السلام المقرانيان بماية وخمسة وعشرون فرنك.

ـ دار ساكنها السعيد بن الأخضر المقراني قومت بماية وخمسين فرنك.

ـ دار ساكنها سي الأخضر القادري قومت بمايتان وخمسين فرنك.

ـ دار ساكنها أحمد بن الصخري المقراني قومت بخمسة وسبعين فرنك.

ـ دار ساكن فيها الأخضر بن محمد بن عبد السلام المقراني قومت بخمسة وسبعين فرنك.

ـ دار ساكن فيها المسعود بن بوريد وأخيه المقرانيان قومت بثلاثماية فرنك.

ـ  دار ساكنها الحاج العامري بن زاهية قومت بماية وخمسة وعشرون فرنك.

ـ الدار المدعوة بدار العيادي قومت بمايتان وخمسين فرنك.

ـ دار ساكن فيها محمد بن فرحات وسي أحمد بن الفضيل, الأول مقراني والثاني شريف, قومت بستماية وخمسة وسبعين فرنك.

ـ دار ساكن فيها الماصو الفرنساوي قومت بثمانماية فرنك.

ـ الدار المدعوة بدار بن عثمان قومت بماية وخمسين فرنك.

ـ الدار المدعوة بدار الحاج بن ضويو قومت بماية وخمسين فرنك.

ـ دار ساكن فيها سي محمد بن العربي البوسعادي قومت بمايتان فرنك.

ـ ونحو العشرين بيت ساكنين فيها الطلبة قوموا بخمسماية فرنك.

ـ دار مدعوة بدار الحاجة الزهراء قومت بخمسماية فرنك.

ـ دار عبد الله بن بوريد وأولاده ساكنين فيها قومت بماية وخمسين فرنك.

ـ ست بيوت معدة لسكنى الزيار قوموا بماية وخمسين فرنك.

قيمة الجميع نحو العشرين ألف فرنك. ونحو الستة عشر دار موقوفة على الشرع بين ورثة الشيخ وسكانهم.

جاء في تاريخ الجزائر الثقافي للدكتور أبي القاسم سعد الله :

« أعلنت مصادر ذلك الوقت أن الشيخ محمد بن أبي القاسم نرك خلافته الروحية لابن أخيه الحاج محمد بن أبي القاسم، صاحب الزهر الباسم، ولكن لأسباب عائلية لم يتول الحاج محمد شئون الزاوية مباشرة بل تولتها السيدة زينب ابنة الشيخ، وحسب أشيل روبير فإنها أدارت شئون الزاوية بنجاح، ورفضت الزواج وظلت على رأس الزاوية إلى وفاتها سنة 1904. ولكن ولايتها لم تكن معبدة بالورود، فقد كان عليها أن تناضل للحصول عليها, ضد ابن عمها وضد السلطات الفرنسية المحلية معا. فقبل وفاة أبيها بعث برسالة أو وصية إلى القائد الفرنسي كروشار  » رئيس المكتب العربي في بوسعادة » يعلمه فيها أن خليفته هو ابن أخيه الشيخ محمد، وكانت السلطات الفرنسية تلح عليه في تعيين خليفته، وهي تقصد بذلك الشيخ محمد الذي قيل أنه كان على علاقة طيبة مع هذه السلطات الحريصة على استقرار الزوايا, لكن زينب اعترضت على هذه الوثيقة بعد وفاة والدها وقالت إن السلطات قد استصدرتها من والدها وهو في حالة لا يملك معها قواه, ثم إن زينب استعملت وثيقة أخرى قديمة لتثبت حقها في خلافة والدها, ففي سنة 1877 أصيب الشيخ بنوبة قلبية وبعدها كتب وصية موثقة على يد القاضي على أن أملاكه ـ وهي  كثيرة ـ توضع تحت تصرف ابنته السيدة زينب، في شكل حبس عائلي, على أن تأخذ منه النصف خلافا لما جرت به العادة، وفسرت زينب ذلك بأن الوثيقة ترشحها لخلافة والدها، وهكذا دخلت في نزاع مع كروشار ومع ابن عمها, كما انجر الخلاف إلى الأتباع، وقد انتصرت هي في النهاية »([17]).

 

 

 


1) عن ترجمة الشيخ محمد بن عبد الرحمن أنظر: مناقب الشيخ الأزهري: علي بن عيسى العصنوني، مخطوط بالمكتبة الوطنية بالحامة، تحت رقم 945، أعلام الفكر والثقافة في الجزائر المحروسة, د يحي بوعزيز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1995، تاريخ الجزائر العام, عبد الرحمن الجيلالي، ج 4/ 47، تعريف الخلف, أبو القاسم الحفناوي, مؤسسة الرسالة, بيروت, ط 2, 1985, ج 2/ 407، دائرة المعارف الإسلامية, مادة رحمانية، ج 10 / 533, معجم مشاهير المغاربة, إعداد جماعة من الأساتذة, بإشراف الدكتور الشيخ بوعمران، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1995, ص 37.

[2]) الحفناوي: تعريف الخلف برجال السلف، ج 2 ص 457.

[3]) جرجرة: قسم من جبال الأطلس بإفريقيا، يمتد إلى شمال الجزائر وإلى جنوب شرقي بجاية، أهله من قبائل البربر، دائرة المعارف، لبطرس البستاني، ج 6 / 426.

[4]) أنظر: دائرة المعارف الإسلامية، مقال « رحمانية  » ج 10 / 533.

[5]) أدخله الشيخ الحفناوي في الطريقة الخلوتية سنة 1171 هـ, أنظر: دائرة المعارف الإسلامية مج 10 / 533.

[6]) الحفناوي: تعريف الخلف برجال السلف، ج 2 ص 460.

[7]) رسالة فتح الباب: مخطوطة موجودة بمكتبة الأسرة العثمانية بزاوية طولقة بالجنوب الجزائري.

[8]) رسالة طي الأنفاس: وتسمى أيضا  » رسالة طي النفوس من تكلم بها جال في بحر ملكوت القدوس « ، مخطوطة موجودة بمكتبة زاوية الهامل ومكتبة الشيخ بنعزوز القاسمي رحمه الله، بعين وسارة.

[9]) دفتر الدفاتر: موجود بمكتبة أسرة العثماني بطولقة، ومكتبة الشيخ بنعزوز القاسمي.

[10]) شرح على الريفاوي: موجود بمكتبة زاوية الهامل، ونسخة بمكتبة الشيخ بنعزوز القاسمي.

[11]) شرح لامية الزقاق: توجد نسخة منه بمكتبة بنعزوز القاسمي, 40 ورقة، نسخ 1305 هـ.

[12]) زلزلة النفوس: ذكره المكي ابن عزوز في رسائله التي حققها ونشرها علي الرضا التونسي، دمشق 1984، ص 131.

[13] ) المختصر في تاريخ الجزائر المعاصر: 185.

[14] ) أنظر: ديبون وكوبولاني 412، تاريخ الجزائر الثقافي 7 / 156، 158.

[15]) يذكر الأستاذ صلاح مؤيد العقبي في كتابه الطرق الصوفية والزوايا بالجزائر عند الحديث عن زاوية الشيخ علي دردور أن مؤسس زاوية مدرونة هو الشيخ علي دردور والد الشيخ الهاشمي وذلك في نهاية القرن الثامن عشر، وأن الشيخ الهاشمي قد حفظ القرآن بها وتولى التدريس بها وهي التي قامت بالمشاركة في ثورة ابن جار الله 1879م.

[16] ) الزهر الباسم، الأعلام للزركلي 7 / 9، تعريف الخلف 2/ 325، معجم أعلام الجزائر 235، سلسلة الأصول 73، مجموع النسب 323، نهضة الجزائر وثورتها المباركة1/ 80 ـ 97، تاريخ الجزائر الثقافي 3/ 318، كوبولاني 406.

[17] ) د أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان،  ط 1، 1997، ج4/ 163.

Laissez un commentaire

*
.

Copyright © 2014 Ouled Sidi ® Version bêta
Conception Green pix ®
Articles (RSS) et Commentaires (RSS). 89 requêtes. 0, 836 secondes.