rechercher
.

العلاقة بين التصوف وشعراء الملحون في الجزائر، محمد بن مسايب نموذجا

العلاقة بين التصوف وشعراء الملحون في الجزائر، محمد بن مسايب نموذجا

 

مقدمة عامة للبحث :

كان للتصوف بوجه عام والطرق الصوفية بشكل خاص، تأثير كبير على الثقافة الشعبية والفنون في الجزائر والمنطقة المغاربية عمومًا. وقد توسّلت المرجعيات الصوفية من الزهاد والعارفين وشيوخ الطرق، منذ وقت مبكر بالفنون والثقافة الشعبية لتقوم بوظيفتها في نشر و تجذير خطابها الديني والروحي والاجتماعي وحتى السياسي أحيانًا، على مستوى الطبقات السفلى من المجتمع (الفقراء والبسطاء من الذين تطلق عليهم النخبة التقليدية مصطلح : العامة) التي شكّلت الخزّان الذي لا ينضب، والمحرّك الأقوى لدواليب الحركة الصوفية من خلال تركيز شيوخ الطرق عليها والتصاقهم بها في اليومي المعيش وحتّى في الشعار الذي اختاروه لأنفسهم وتسموا به (الفقراء).

وفي هذا الإطار يأتي الشعر الشعبي (الملحون) على رأس الوسائل التي وظفتها الطرق الصوفية في نشر تعاليمها. وإذا لم يكن باستطاعتنا القول إن جميع الشعراء الشعبيين (شعراء الملحون) كانوا صوفية أومنتمين إلى الطرق الصوفية، فإن المؤكد أنهم تعرضوا كلهم بطريقة أو بأخرى لتأثير التصوف والطرق الصوفية في الجزائر والمنطقة المغاربية عموما. وفي هذا السياق، يعتبر الشيخ محمد بن مسايب التلمساني من أكبر الشعراء الذين كتبوا في باب (الجد) أو (المدح) حيث سيكون موضوع هذه الدراسة.

تعتبر الفنون الشعبية الأكثر تعبيرا عن حاجات الوجدان الشعبي وعن الهوية والثقافة الوطنيتين. وعرفت بلاد المغرب العربي ملامح مشتركة في فنونها الأدبية الشعبية، نظرا لارتباطها بمراحل تاريخية عرفت أوضاعا اجتماعية وثقافية متشابهة. ونذكر في هذا الصدد ما خلفته أشكال الأدب الأندلسي من آثار على الأدب الشعبي المغاربي، وما حمله بنو هلال من تراث عربي تمتد جذوره إلى العصر الجاهلي. على رغم ذلك، يُلاحظ إلى اليوم عدم اهتمام الباحثين الجزائريين بالأدب الشعبي إلا القليل منهم، ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل نذكر منها :

ما تطلبته مرحلة ما بعد الاستقلال من الدفاع عن اللغة العربية واسترجاع حقها في الوجود، بعد ما تعرضت له من اضطهاد واستبعاد من طرف المستعمر. خاصة وأن هذا الأخير لجأ إلى العناية باللهجات المحلية وآدابها لتحقيق مثل هذا الغرض. مع العلم أن الاهتمام بالأدب الشعبي المكتوب باللهجات العامية، يُُفترض أنه يُكمل ولا يناقض الاهتمام بالفصحى وآدابها.

تعارض العناية بالتراث المحلي في أذهان معتنقي الفكر القومي العربي، مع فكرة الوحدة الثقافية واللغوية العربية، والتي ظلت بعض النخب الثقافية العربية متشبثة بها، خاصة بعد فشل تحقيقها في المجال السياسي. لكن ليس من المعقول ولا من المقبول في منطق الأشياء، أن تدفع الثقافات الشعبية المحلية، ثمن فشل المشاريع القومية السياسية العربية.

التقويم التعسفي للأدب الشعبي، الذي يراه خاليا من القيم الجمالية، وبالتالي غير مؤهل حسب هذا التقويم، لأن يُدرس من هذا الجانب، حيث لا يرى فيه سوى أداة للتحليل المضموني المتعلق بفروع العلوم الاجتماعية مثل التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس.

تسببت مثل هذه الحجج التعسفية الواهية، في تهميش التراث الوطني الشعبي. وهي كما نرى، بعيدة عن الموضوعية، تبررها مواقف أيديولوجية بحتة لا علاقة لها بالبحث العلمي.

وكان لمثل هذه المواقف من الأدب الشعبي، أثرٌ سلبي انعكس على وضعيته، فأهمل وضاع أكثره، ولم يُحفظ منه سوى القليل الذي حافظ عليه بعض الرواة، يحدوهم في ذلك حبُهم لهذا التراث واعتزازهم به، إلى حد دفعهم حتى إلى حجبه عن الباحثين والدارسين الذين يريدون جمعه وتحليله.

ومن الجدير بالذكر هنا، أن البحث في الأدب الشعبي لا يهدف إلى إحلاله محل الأدب الفصيح، أو ترويج فكرة ضرورة ترسيم العاميات، بل يهدف إلى بحثه ودراسته كما تُبحث وتدرس جميعُ آداب الأمم، خاصة وأن علاقته بوجدان الجماعات الشعبية قوية جدا. ويُلاحظ أيضا، أن الأتراك أهملوا الأدب الشعبي خلال حكمهم لعدد من الحواضر والمناطق الجزائرية التي ازدهر فيها هذا الأدب، وذلك لأسباب سياسية بحتة. أما عناية المحتل الفرنسي به، فكانت قاصرة جدا، ولم تشمل جميع مظاهره. كما إنها كانت تخضع لانتقائية منهجية يوجهها الهدف الأيديولوجي الاستعماري بالدرجة الأولى.

من المؤكد أن الأوروبيين والغربيين عموما، سبقونا إلى العناية بتراثهم الشعبي، حيث انتبه مفكروهم ومثقفوهم وباحثوهم منذ بداية القرن التاسع عشر الميلادي، إلى أهميته وقيمته، خاصة وأن عصر التصنيع بدأ يعطي ثماره المتمثلة في التغيرات الجذرية التي أصابت حياة الناس في معاشهم وفي نظمهم الاجتماعية والسياسية، فرأوا حينذاك أن الحياة الصناعية سوف تقضي على المأثورات والتقاليد الريفية، وعليه كان لا بد من الإسراع في جمعها وبحثها من أجل إنقاذ جزء هام من الروح ومن التاريخ ومن الشواهد المتعلقة بإنسان ما قبل الثورة الصناعية في أوروبا. في هذا السياق، ارتفعت صيحات نفر من المفكرين الأوروبيين من أهل الأدب والفن، في مطلع القرن التاسع عشر، تنذر بأن عصر الآلة سيقضي على التقاليد والعادات العريقة، ذلك أن الثورات الصناعية التي اجتاحت أوروبا في ذلك الحين، خلقت مدنها خلقا جديدا، وجعلت لسكانها عادات تختلف عن عادات الفلاحين.

أما في البلاد العربية التي كانت تعاني حينئذ من التخلف العلمي، والتي كان أغلبها واقعا تحت الهيمنة الأجنبية، فلم تكن العناية بالتراث الشعبي فيها من الأولويات، بل عُد هذا التراث من سقط المتاع، ونُظر إليه من موقع متعال على أنه من إنتاج العامة الذي لا يستحق عناية العلماء والمثقفين. وهو رأيٌ خاطئٌ أشار إليه ابن خلدون، ويبدو أنه كان رائجا في عصره، فقال عنه : « إن الكثير من المنتحلين للعلوم في هذا العهد، وخصوصا علم اللسان، يستنكر هذه الفنون.. ويعتقد أن ذوقه إنما نبا عنها لاستهجانها وفقدان الإعراب منها. وهذا إنما أتى من فقدان الملكة في لغتهم. فلو حصلت له ملكة من ملكاتهم، لشهد له طبعه وذوقه ببلاغتها إن كان سليما من الآفات في فطرته ونظره، وإلا فالإعراب لا مدخل له في البلاغة. فالبلاغة مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الوجود فيه، سواء كان الرفع دالا على الفاعل والنصب دالا على المفعول أم العكس، وإنما يدل على ذلك قرائن الكلام، كما هو في لغتهم هذه. فالدلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة، فإذا عرف اصطلاح في ملكة واشتهر وصحت الدلالة، وإذا طابقت تلك الدلالة المقصودة ومقتضى الحال صحت البلاغة، ولا عبرة بقوانين النحاة في ذلك. وأساليب الشعر وفنونه موجودة في أشعارهم ما عدا حركات الإعراب في أواخر الكلم ». (راجع ابن خلدون : المقدمة، ط بيروت، ص 1127)

انطلاقا من كلام ابن خلدون الذي تؤكده الدراسات الحديثة، يتضح أن تجاهل القيمة الفنية والجمالية للأدب الشعبي عندنا، أمرٌ باطلٌ من أساسه، يتمثل مصدره في مجموعة أفكار مسبقة هي في حاجة ماسة إلى المراجعة. يتأكد ذلك عندما نواجه عددا من النصوص، خاصة تلك التي أبدعها شعراء كبار من أمثال عبد الله بن كريو والشيخ السماتي وسيدي الاخضر بن خلوف والشيخ محمد بن مسايب وبن تريكي والمنداسي وغيرهم.. حيث نجد من بين المكونات الشعرية لها، ما يمتد بعيدا بجذوره الضاربة في أعماق التاريخ، فتعثر على أصول لها في الشعر العربي القديم، كما نعثر من بين العناصر المشكلة لها، على تلك العناصر المنبثقة من تربة الثقافة الجزائرية في مظاهر خصوصيتها وأصالتها.

أبدع الشعر الشعبي الجزائري (الملحون) في ظل قيم فنية ورثها عن الشعر العربي القديم. وكان للموشحات والأزجال الأندلسية تأثيرٌ كبيرٌ فيه، وهو مع ذلك متميز بمقوماته الخاصة وخصائصه الفنية النابعة من طبيعة اللغة العربية ومن خصائص اللهجات المحلية، العربية والأمازيغية.

طوع الشعراء الشعبيون لغة اللهجات المحلية وجعلوا منها لغة شعرية بل وصوفية روحانية. الأمر الذي منح الشعر الشعبي/الملحون في الجزائر، مكانة متميزة في نفوس الجزائريين، وجعله على كل لسان خاصة في فترة ازدهاره خلال القرون الأربعة الماضية التي برز فيها فحول الشعر الملحون من أمثال المنداسي وبن تريكي وبن مسايب ومصطفى بن براهيم محمد بلخير وبن قيطون ومحمد بن يوسف وغيرهم. بل إن كثيرا من العلماء والفقهاء والصوفية من الذين يمتلكون الثقافة العلمية العربية الفصيحة، كتبوا الشعر في مختلف أغراض الشعبي، الصوفية وغيرها، لسبب بسيط هو أن هذا الشعر كان أقرب إلى سرعة الانتشار والتأثير في نفوس العامة ووجدانهم، أكثر بكثير من الشعر الفصيح. حتى إن لغة الرسائل (الرسمية منها وغير الرسمية) كانت أقرب إلى لغة الشعر الشعبي منها إلى اللغة الكلاسيكية الفصحى، يتضح ذلك من رسائل الأمير عبد القادر على سبيل المثال لا الحصر.

لعل أول ما يلاحظه الباحث في الشعر الشعبي، بخصوص مضامينه ووظيفته وما أداه من دور سياسي، يتعلق بتغنيه بقيم المجتمع وعناصر هويته وما عبر عنه من مواقف مقاومة للاحتلال الأجنبي، لما عاناه الإنسان الجزائري جراء ظلم المحتل وجبروته واغتصابه لحق الإنسان الجزائري في الحياة الكريمة على أرضه. من ذلك أشعار سيدي الاخضر بن خلوف التي عبرت عن مواجهة الاحتلال الإسباني للشواطئ الجزائرية الغربية، وأشعار المنداسي وبن مسايب المتعلقة بمظالم الأتراك ومعاملتهم المتعسفة والجائرة للسكان في تلمسان، وأشعار محمد بلخير المتعلقة بمقاومة سكان الغرب الجزائري للاحتلال الفرنسي.

أما الجزء غير المعروف من أشعار محمد بن قيطون على نطاق واسع، بفعل ارتباط اسمه برائعة « حيزية »، فهي تتعلق أساسا بمقاومة البوازيد الأشراف المرابطين المستميتة للاحتلال الفرنسي، قبل أن يبسط نفوذه على واحات الزاب. ولعل أبلغ شاهد على ما أداه الشعر الشعبي في هذا المضمار، القصيدة المطولة للشاعر عبد القادر الوهراني والتي سجلت نزول الجيش الفرنسي المحتل سنة 1830. وقد أشار إليها أحد المستشرقين الفرنسيين في المجلة الأفريقية سنة 1930، مؤكدا أنها لعبت دورا كبيرا في التحريض على ثورات المقاومة خلال منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، حيث كنت تنشد في الأسواق لتستنهض الهمم وتدعو إلى محو عار الهزيمة التي لحقت بسكان العاصمة في الأيام الأولى للاحتلال الفرنسي.

عرف الشعر الشعبي الجزائري ظروف إنتاج وأداء متشابهة في مختلف أنحاء القطر الجزائري، وكمثال على ذلك نقدم عملية إنشاد الشعر والتغني به في ذكرى المولد النبوي الشريف، وهي من العادات المعروفة في مناطق مختلفة من الجزائر، حيث من الممكن أن تدوم طقوس الاحتفال الشعري مدة اثنتي عشر يوما في بعض المنطق. في مثل هذه المناسبة، كان المشاركون في الاحتفال، ينشدون في البداية قصيدة كعب بن زهير في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وقصيدة الإمام البوصيري الدلسي (البردة) التي تعتبر أعظم قصيدة كتبت في هذا الغرض على الإطلاق.

إن علاقة الشعر الشعبي الجزائري بالشعر العربي الفصيح لا يمكن أن ينكرها إلا مكابر، خاصة وأن كبار شعراء الملحون الجزائريين كانوا من بين أفراد النخبة ذات الثقافة التقليدية العربية الإسلامية، وكان من بينهم من شغل مناصب مهمة مثل الفضاء من أمثال المنداسي وعبد الله بن كريو ومصطفى بن براهيم إلخ.. ومنهم من كان في منصب المفتي مثل الشيخ مصطفى بن الكبابطي. بل إن منهم من كان ينظم شعرا في الفصحى وبالدارجة/العامية بالمستوى نفسه كالمنداسي. أضف إلى ذلك أن سيرة حياة البعض الآخر من هؤلاء الشعراء، تشير إلى درجة تحصيلهم العلمي العالية في مجال علوم الدين والفقه، مثل الشيخ سيدي أحمد بن مصطفى العلاوي المستغانمي مؤسس الطريقة العلامية، والشيخ بن يوسف ومحمد بن قيطون والشيخ مصطفى بن الكبابطي والشيخ السماتي، هؤلاء الشعراء لم يكونوا أميين بل كانوا على جانب كبير جدا من الثقافة والتحصيل المعرفي الذي وفرته لهم الزوايا التي كانت تمثل مؤسسات تعليمية وتثقيفية حافظت على التواصل العلمي والثقافي مع الأجيال السابقة في مختلف حواضر الجزائر المنتشرة عبر مختلف المناطق السهلية والجبلية والصحراوية.

(الأمين، أحمد : صور مشرقة من الشعر الشعبي الجزائري، ص 248-256)

 

 

 

 

تعريف التصوف :

 

-       يعرف أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي، التصوف في كتابه (التعرف لمذهب أهل التصوف) بقوله :  » إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها ونقاء آثارها ».. وينقل أيضا عن بشر بن الحارث الحافي قوله :  » الصوفي من صفا قلبه لله »..(1) ولعل أشهر ما يتميز به الصوفية من الصفات، هو تسامحهم وسماحتهم، فقد سأل رجل لسهل بن عبد الله التستري :

 » من أصحب من طوائف الناس ؟ فقال : عليك بالصوفية، فإنهم لا يستكثرون ولا يستنكرون شيئا، ولكل فعل عندهم تأويل، فهم يعذرونك على كل حال » (2)

ومن هذه النصوص تظهر أهم المفردات التعريفية للتصوف فيما نرى وهي : صفاء القلب والسريرة (صفاء النية) والتسامح والانفتاح على الآخر وقبوله كما هو، لا كما نريده نحن أن يكون..

وتقول إحدى الصوفيات العارفات الشهيرات من أرباب الأحوال، وهي أمة العزيز المعروفة بهورة : « من لبس الصوف يجب أن يكون أصفى الناس وقتا، وأحسن الناس خلقا، وأكرم الخلق حركة، وأعذب الناس طبعا، وأجودهم نفسا، وأسخاهم يدا، كما تميز عن الخلق بلباسه، كذلك يتميز عنهم بأوصافه ». (راجع طبقات الصوفية للسُلمي : ص 418)

 

 

2 ـ الجذور التاريخية للحركة الصوفية ودور الأشراف المرابطين في تأسيس الروحانية الأمازيغية في الجزائر والمنطقة المغاربية :

 

من المسلم به عند الباحثين في تاريخ التصوف في المنطقة المغاربية، أن الروحانية الأمازيغية وطيدة الارتباط بالأشراف المرابطين الذين لاذوا بجبال القبائل فرارا من القمع والملاحقة والاضطهاد الأموي الذي شن ضدهم حرب إبادة في المشرق (منطقة الشرق الأوسط). حيث إنه من المؤكد تاريخيا أن إرهاصات هذا التلاحم العضوي بين البربر/الأمازيغ والأسر/العائلات  الشريفة (أي التي تنتسب إلى علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) ترجع إلى الساعات الأولى لظهور الإسلام، حينما تحولت أرض المغرب الأوسط تحديدا، إلى ملجأ آمن لذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا إلى أفريقية الشمالية فرارا من ملاحقة الخلفاء الأمويين ثم العباسيين من بعدهم، خصوصا بعد المجازر التي ارتكبت بحقهم خلال مأساة كربلاء سنة 61 هجرية/ 680 ميلادية، وواقعة فخ سنة 762 ميلادية، حتى صارت منطقة القبائل الصغرى تُنعت في المصادر التاريخية مثل كتاب « افتتاح الدعوة » للقاضي النعمان بأنها « دار الهجرة ومُستقر الإيمان »، والبربر من كتامة كانوا يُنعتون بالأولياء والإخوان، كما هي الحال إلى يومنا الحاضر بلا انقطاع لدى أتباع الطريقة الرحمانية الذين لا يزالون يُنعتون بالإخوان.

فعلى أثر قمع ثورة محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، التي باركها الإمام مالك إمام أهل المدينة والمرجع الأعلى لبلاد المغرب، لجأ أخوه سليمان على غرار مولاي إدريس، إلى حوزة (منطقة) عين الحوت من أحواز تلمسان، حيث أرسى حفيد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، القواعد الروحية لجامع أغادير العتيق، أول مسجد بُني في المغرب الأوسط لبث تعاليم جده صلى الله عليه وسلم، إلى أن توفي سنة 795 ميلادية، مورثا بركة جده إلى سلالته الشريفة كما توارثتها سائر فروع الدوحة الفاطمية المنتشرة في ربوع بلاد البربر/الأمازيغ.

فباستقرار الشرفاء (الشرفة أو المرابطين في التعبير الشعبي المغاربي) من ذرية فاطمة الزهراء بالمغرب الأوسط، تم غرس البذور الأولى لثقافة الزهد والتصوف، وكذلك بث روح المساواة بين صفوف الشعب الأمازيغي. حيث يمكننا القول في هذا المضمار، إن تاريخ الإسلام بالجزائر مرتبط عضويا بروحانية أهل البيت الذين تولوا مهمة فتح قلوب البربر/الأمازيغ، بعد أن تم فتح أرضهم، ما جعل الدين الجديد يكتسح الديانات القديمة السابقة (الوثنية واليهودية والمسيحية) التي بقيت على عهدها أجنبية ودخيلة على الروح الأمازيغية، بخلاف الإسلام الذي أضحى بحق ديانتهم الوطنية والرسمية مع اختفاء أكيد وانهيار تام للاعتقادات الوثنية والكتابية بين ظهرانيهم. يأتي هذا مصداقا للحديث المنسوب ولو تبركا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي نسرده على سبيل الاستشهاد الرمزي، والذي رواه على ضعف سنده قاضي المالكية بمستغانم ونقيب الأشراف في الجزائر في بداية القرن العشرين، في صدد تصنيفه لكتاب شجرة أنساب الرسول مرفوعا إلى فاطمة الزهراء رضي الله عنها قالت :

« سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن لي بالمدينة أنصارا، ولولدي بالمغرب أنصارا. يا فاطمة، سيُقتل الحسن والحسين، ولا يجد ذريتهما أنصارا إلا البربر. فيا شقاوة من قتلهما، ويا سعادة من أحبهما. يا فاطمة، قد جعل الله في قلوب البربر لذريتي محبة ورحمة، وسيكون قومٌ من البربر على اليقين والدين إلى يوم الدين ». الحديث منقول عن كتاب « سلسلة الأصول في شجرة أبناء الرسول » لعبد الله بن محمد بن الشارف بن سيدي علي حشلاف، المطبوع بالمطبعة التونسية سنة 1929، ص 26، والذي يُعد أثمن وأدق سجل لأنساب العائلات الشريفة الجزائرية، ومراحل وأماكن استقرارها وتفرعها عبر ربوع التراب الوطني.

فضلا عن الاعتقاد الشعبي المحلي في الرجال السبعة أو الشيوخ السبعة، الذين يكونون قد لقوا النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وكلموه بلغة الأمازيغ، فأجابهم عليه الصلاة والسلام بلغتهم وحملهم كتابا مختوما إلى سكان المغرب. ما يدل على العروة الوثقى التي تربط البربر/الأمازيغ بمنبع الرسالة المحمدية وتحميلهم الأمانة الإلهية. حتى إن قبائل زواوة الذين من المحتمل أن ترجع تسميتهم إلى كثرة زواياهم، يُسقطون أو يُخففون من وقع آيات الحجاب على نسائهم، ويثبتونها ويحصرونها في بنات الأشراف/المرابطين اللواتي لا يخرجن ولا يتعلمن خارج البيت ويُخاطبن بصيغة « لالة » إلى يومنا هذا في بعض المناطق المحافظة بجبال القبائل والأوراس، حرمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما يُخاطب ذكرهم (بفتح الذال) بـ »سيدي » حتى ولو كان المخاطب (بفتح الطاء) غلاما يافعا، والمخاطب (بكسر الطاء) كهلا أو شيخا كبيرا. ما جعل الأشراف يراقبون بدورهم تصرفاتهم وسلوكهم، حتى يكونوا خير خلف لخير سلف، فكانوا ولا يزالون دعاة للخير والصلح، وصوتا مدويا للحق في ربوع بلاد البربر/الأمازيغ، ومشعلا لنور الهداية المحمدية.

من المحقق أن الشرفاء من السلالة الفاطمية التي يجري تكريمها وتمجيدها شعبيا في الجزائر، عُرفوا بتفانيهم في الانتصار لحقوق الموالي، وهم المسلمون من غير العرب (وكانت هذه حال غالبية البربر في المنطقة المغاربية حيث كانت السلطة الحاكمة تعاملهم معاملة الموالي والعبيد، وذلك قبل العصر الفاطمي)، إزاء اضطهادات وتجاوزات الولاة الأمويين الذين عمدوا إلى تخميس البربر، حيث فرضوا عليهم خمس أموالهم بدعوى أنهم فيءٌ للمسلمين، متعدين في ذلك الأعشار والزكوات الشرعية، لولا مقاومة آل البيت النبوي الشريف لهذه التجاوزات الخطيرة المخالفة لتعاليم الدين الإسلامي، مما أكسبهم انجذاب الأمازيغ الفطري، المفعم بالود والاحترام والتقديس والموالاة.

عرفانا منهم بالجميل، تحمل البربر بدورهم أمانة الدعوة للرسالة المحمدية، والانضواء تحت رايتها الموشاة بالأخضر والأحمر، التي توارث ألوانها العلم الجزائري الحالي. فهم الذين هيئوا الأرضية لتأسيس الخلافة الفاطمية في الجزائر، باستقدامهم الإمام المستور عبيد الله المهدي بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي هاجر متنكرا في زي تاجر برفقة ولده القائم، من سُلمية بأعالي الشام، إلى بلاد كتامة حيث أعلن قيام دولة الإمامة الفاطمية، يوم الجمعة 21 ربيع الثاني سنة 297 للهجرة الموافق 09 يناير 910 للميلاد، بعد قرنين من الكفاح السري بالموضع المعروف بفج الأخيار بإكجان، الواقع بمنطقة القبائل الصغرى.

لقد كانت لهذه المملكة الباطنية التي قامت على أكتاف قبائل كتامة البربرية، مآثر حضارية وفكرية لا تُحصى، منها الجامع الأزهر الشريف بالقاهرة، الذي تبركت بالمساهمة في تأسيسه عقولٌ وسواعد أمازيغية، في منتصف القرن الرابع الهجري. ففي قلعة الفكر الخالدة هذه، انعقدت أولى مجالس المذاكرة التي أرست الدعائم الفلسفية لمدرسة التصوف. هنا تبلورت نظرية الإنسان الكامل، المرتبطة بمبدأ الحقيقة المحمدية، والذي نتجت عنه فكرة القطبانية، وتم ترتيب نظام الحدود الهرمي المقتبس من مراتب الصوفية، كالأبدال والأوتاد والنقباء والنجباء، كما جاء في الأثر. ففي ظلال الأزهر الشريف، اتصلت روحانية الشرق والغرب والماضي والحاضر، حتى استحال التمييز بين ما هو من صميم العرفان الإسلامي وما هو من صميم الحكمة البابلية والفرعونية، دون أن ننسى الأفكار الغنوصية والقيم الهرمسية التي ساهمت في تلقيح المدرسة الصوفية، فكان المولود الجديد – القديم قدم الإنسانية، أول صورة ناجحة للعولمة الروحية، تتشرف الجزائر بتبنيها ورعايتها.

على مر القرون، توطدت الروحانية الأمازيغية وتشعبت شبكة اتصالاتها، بفضل ازدهار الحركة التجارية، التي ربطت بلاد السودان بالبحر الأبيض المتوسط، عبر طرق واسعة امتدت من الصحراء الكبرى إلى بحيرة تشاد وتمبوكتو، فضلا عن الأسطول الجزائري الضخم الذي كان يجوب البحار بين أوروبا وأفريقيا والهند، بالإضافة إلى فتح المزيد من الثغور والرباطات التي أمنت السواحل وكرست قواعد الحركة الزهدية المرابطية، التي تولدت عنها سائر الطرق الصوفية، كما أرست تقاليد الفتوة المرتكزة أساسا على قيم الشهامة والنجدة والإيثار وغيرها من مكارم الأخلاق التي ميزت الإنسان الأمازيغي عبر العصور.

إن اختصاص آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، بطهارة الأصل ورسوخ قدمهم في مجال الحقيقة، جعلهم قدوة الأمازيغ ومشرب معارفهم. فقد وصل شيوخ الطريقة من البربر، أئمة أهل البيت بمذهبهم، وجعلوهم من مؤسسي سلسلة السند الشريف، كما عزوا إليهم هيكلة مقومات سلوكهم الصوفي كالولاية، العصمة، الكرامة، الشفاعة، الكتمان، التأويل الباطني للشريعة، بالإضافة إلى مجمل نظمهم وتقاليدهم الرسومية والاعتبارية، كالمُرقعة والخرقة والصحبة، ما يؤكد خطورة شأنهم وعلو درجتهم في ميدان الروح.

فمن المعلوم أن معظم مؤسسي الطرق الصوفية، التي يفوق عددها في الجزائر اليوم الأربعين طريقة، إن لم يكن جميعهم، ينحدرون من أصل شريف. ومن ثم لما ذهبت عنهم الخلافة الظاهرة لكونها صارت مُلكا عضوضا، عُوضوا عنها بالخلافة الباطنة، حتى ذهب البعض إلى أن قطب الأولياء لا يكون إلا منهم، بل هذا مسطورٌ في كتب القوم وصرح به أكابر الأولياء، كالجيلي وابن أدهم وابن عربي وسيدي عبد الرحمن باش تارزي تلميذ سيدي امحمد بن عبد الرحمن الجرجري الأزهري الخلوتي مؤسس الطريقة الرحمانية في كتابه « غنية المريد »، وغيرهم. وهذه الخلافة العظمى، وناهيك بها شرفا. ونذكر في هذا الصدد، بالمساهمة الروحية المتأخرة والحاسمة للشرفاء الصقليين الذين تركوا صقلية عقب تغلب النورمان، ولجأوا إلى الأندلس أواخر القرن الحادي عشر، ومن ثم إلى حواضر المغرب الأوسط، وعلى وجه التحديد إلى بجاية الناصرية مع حلول القرن الرابع عشر، وما رافقه من تقعيد قواعد وتنظيم رسوم الطريق الصوفي الذي أضحى مدرسة قائمة بذاتها ممتلكة لفكر ولمصطلحات ومناهج خاصة بها.

لم يستقطب الورع والزهد طبقة المحكومين من الشعب الأمازيغي فحسب، بل تعداه ليخترق أبراج الحكام والملوك. فقد كان السلاطين الملثمون من حكام الدولة المرابطية، الذين حكموا الجزائر من منتصف القرن الخامس إلى منتصف القرن السادس الهجري، أسوة يُقتدي بها في ميدان التقشف والتبتل، حتى إنهم كانوا أقرب إلى الرهبان منهم إلى الملوك، وعلى رأسهم يوسف بن تاشفين الذي بلغ به التواضع والانكسار، إلى الالتزام بلباس الصوف والامتناع عن غيره من الأردية التي أباحها الشرع.

كما أسهم من بعد المرابطين، إمامُ الموحدين القائم بأمر الله محمد بن تومرت، في بلورة التصوف البربري/الأمازيغي بفكرة المهدوية (الإمام المهدي). كما ألبس حواضر قسنطينة وبجاية وتلمسان، لباس التبتل والمسوح. بينما أقام مركز دعوته برباط ملالة، حيث عمل على بث مبدأ التأويل الذي اعتمده وسيلة إلى المعرفة التحقيقية، تماما كما تذهبُ إليه المدرسة الصوفية في اعتمادها التجربة الروحية سبيلا أكيدا يؤدي إلى الكشف واليقين.

كما برزت أسماء ملوك وأمراء وقادة أمازيغ، تميزوا تاريخيا عن غيرهم من الحكام باحترامهم الشديد للصوفية، وخدمتهم لهم بإخلاص وإجلال وتفان. بل منهم من تصوف وتمربط وثبتت ولايته. نذكر منهم أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي الندرومي، مؤسس دولة الموحدين في المغرب الكبير والأندلس، والسلطان الزناتي يغموراسن بن زيان، والأمير الحمادي أبو يوسف يعقوب الصنهاجي، والأمير عبد القادر بن محيي الدين الجزائري قائد المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي ومؤسس الدولة الجزائرية الحديثة..

اعتبارا من القرن السادس للهجرة، بدأت المصادر التاريخية تشير إلى ظاهرة جديدة في صفوف الأمازيغ، مفادها تخصيص فضاءات قدسانية منقطعة للتأمل والصلاة القلبية، عُرفت بالزوايا (من مصدر زوى، انزواء، زاوية : إشارة إلى مكان العزلة والخلوة) التي أخذت شيئا فشيئا تحُل محل الرباطات، التي عادت إلى وظيفتها الدفاعية الأولى، والتي تأسست اعتبارا من نهاية القرن الأول للهجرة، وإن لم تتكاثر عندنا إلا بحلول القرن الخامس الهجري. وكأنه حدثت لدى البربر/الأمازيع، إعادة توزيع للأدوار بجعل الرباطات التي امتدت من ميناء القالة شرقا، على ميناء الغزوات غربا، تقوم مقام الجهاد الأصغر بحمايتها للثغور ومراقبتها للعدو القادم من البحر والاستعداد لمقاومته عبر التدريبات القتالية، بينما عادت وظيفة الجهاد الأكير إلى الزوايا، حيث تُلقن تعاليم الاعتكاف والتبتل مع تقنيات مراقبة النفس وكبح أشباح الغريزة، عبر الزهد والصمت والانقطاع إلى الله.

كانت زاوية أبي زكريا يحيى الزواوي، بحي اللؤلؤة، رائدة هذه المعاقل الإيمانية التي تكاثرت بشكل ملحوظ بمدينة بجاية اعتبارا من القرن السادس الهجري، لدرجة أن عاصمة الحماديين صارت لقداستها وطهارتها، حرما آمنا يلزمُ كل من دخلها من الغرباء والمسافرين، أداء شعائر الوضوء في بئر السلام قبل تخطي عتبة أسوارها. فلقد سبقت لها العناية والستر بسبب الاعتقاد في كونها هي « العين التي تغربُ فيها الشمس » التي ورد ذكرها في القرآن الكريم (الكهف/83-87) بصدد قصة ذي القرنين.

تربى في أكناف قدس بجاية، واستلهم من فيض مددها، أحد أساطين هذا الأمر : الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر ابن عربي، أحد أتباع قطب أقطاب التصوف على الإطلاق وشيخ مشايخ المشرق والمغرب، فخر الجزائر من بجاية إلى تلمسان : سيدي أبي مدين شعيب بن الحسن الأنصاري الملقب بغوث الله الأعظم، لعلو مقامه وخطورة شأنه في هذا المجال، دون أن ننسى عندليب الرسول صلى الله عليه وسلم وفخر بني حماد أبا عبد الله شرف الدين البوصيري الصنهاجي، صاحب الميمية المشهورة بالبردة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والتي لم يأت بها أحدٌ، لا من قبلة ولا من بعده.

واشتد انتشار الشرفة/المرابطين والصوفية بين صفوف الشعب الأمازيغي، اعتبارا من القرن الخامس عشر الميلادي، إلى أن استكملت الزاوية وظائفها النهائية في العهد العثماني الذي شهد تكاثرا مظهريا لطرق السلوك والمجاهدة لدى البربر/الأمازيغ، وما رافقها من تعدد ملفت للخلوات والمعابد والصلوات التي يُذكر فيها اسم الله.

لكن إعادة التوزيع الهيكلي، التي مست الزوايا والرباطات، لم تكن لتمنع استمرار تخرج كبار العُباد والزهاد من الرباطات، عُرفوا بالمرابطين. كما لم تكن لتمنع بروز مقاتلين أمازيغ بواسل، تولوا الذب عن حياض هذا الوطن ضد محاولات الغزو المتكررة التي ما انفك يقوم بها الإسبان والبرتغاليون والنورمان، حتى استحالت في بلادنا اليوم، التفرقة والتمييز بين المرابط والصوفي. فسرعان ما استعادت الزاوية وظيفة تكوين مجاهدي النور الأشاوس، من البربر/الأمازيغ الذين انتفضوا ضد طغيان العباد والمؤسسات، خاصة عقب الاحتلال الفرنسي، من طراز عذراء الجبل المرابطة الشريفة لالة فاطمة نسومر بنت سيدي محمد بن عيسى مقدم الطريقة الرحمانية لدى قبائل زواوة. كما برزت عدة أسماء أخرى ذات ارتباط بالزوايا، تميزت باقتدارها وجسارتها في ميدان الكفاح المسلح، من أمثال الشيخ الشريف أحداد، الذي جلس على السجادة العلية الرحمانية بعد اتقال شيخه الأجل سيدي محمد بن عبد الرحمن القشطولي الزواوي الأزهري، الذي ورثه بركته، ووكيله المغوار ببلاد القبائل الشيخ المقراني، دون أن ننسى الأسماء المعاصرة التي أنجزت أو وطأت لثورة أول نوفمبر 1954 التحريرية الكبرى، من أمثال البطلين الشهيدين مصطفى بن بولعيد وسي الحواس، اللذان تلقيا تربيتهما بالزوايا الرحمانية في الأوراس، وغيرهم كثيرٌ من الشهداء والمجاهدين الذين أنجبتهم زوايا الجزائر.

لم يقتصر جهاد المرابطين الأمازيغ على الحدود الجغرافية لوطنهم الأم، بل تعداه ليشمل كافة أوطان الإسلام والمسلمين، من شمال أفريقية والشرق الأوسط، إلى جنوب الصحراء الكبرى، ومن سواحل الصومال شرقا إلى السنغال غربا. هذه الأسطر القليلة تكفي للإيعاز بمدى نفوذ الروحانية الأمازيغية في العالم بأسره، حيث تتيح شمولية التربة التعبير عن الانبساط الأفقي لجماعة المؤمنين خارج حدود الوطن الأم الجزائر. بينما ترجع أهمية الظاهرة المرابطية أساسا، إلى تمثيلها لخصوصية هذا الإسلام الانعتاقي التحرري المقاوم، الذي يميز بلادنا. فمن جهة، نلحظ أن هذه الروحانية تحمل على عاتقها مهمة توصيل الرسالة الباطنية للنبوة إلى قلوب البربر/الأمازيغ. ومن جهة ثانية، نلمس استمرارا لعلم العرفان الذي يُعد إنجازا يتحقق بفعل الشفقة والرحمة التي أتت بها تعاليم الأنبياء والأولياء، فضلا عن استرشاد المعاني الروحية لكلام الله.

إن تغلغل التصوف في أجيال عديدة من البربر/الأمازيغ، جعل الإيمان الشعبي الجزائري شديد الارتكاز على مبدأ تكريم الأولياء. وما تناثر المقامات مكعبة الشكل، ثلجية البياض على قمم التلال والجبال، التي يُضاهي عددها في مطلع قرننا الحادي والعشرين، العشرة آلاف زاوية ومقام، إلا شهادة حية وقاطعة على حيوية الإيمان الأمازيغي. ما يدل على اصطباغ كافة مرافق الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والسياسية، بالصبغة المرابطية. حتى يمكننا القول إن تاريخ الجزائر الإسلامي، هو تاريخٌ صوفيٌ. وقياسا عليه، نستنتج تأصل حاضرها وارتسام معالم مستقبلها الروحي، حيث إن البيئة الروحانية هي التي كيفت نفسانية الفرد الأمازيغي على مر العصور، وحددت معالم جوه الثقافي بمفهومه الشامل لطريقة الحياة وفلسفتها، من أدب وسلوك وموسيقى وفن وعمران إلخ..

تُعد هذه الفضاءات التعبدية في ظل الحرية التي استعادتها الجزائر، بعد أن دفعت ثمن التضحية الباهظ، بحق أبراجا للمراقبة وللذكرى/الذاكرة. فمثلما يرجع الفضل بالأمس إلى الزوايا في الحفاظ على شخصيتنا الروحية والثقافية على رغم ما يربو عن قرن ونصف قرن من محاولات المحتل لطمس هويتنا الأمازيغية، عن طريق خلخلة ركائزنا الدينية واللغوية، فهي تُعد اليوم حصنا منيعا لثوابت أمتنا/شعبنا وقيمها المهددة بأخطار العولمة، التي تحدق بها من جنبات الأرض وأعالي السماء. إن الإرث الروحاني لأجدادنا الأمازيغ، باعتباره خلاصة شاملة للحياة، يصبو برأفة ورقة إلى الإجابة عن كبريات الأسئلة الوجودية. إنه يفيض بعبقات الرحمة ودقائق الحكمة، فهو يجمع بين الخالق والمخلوق، وبين الروح والجسد، وبين الفرد والمجتمع، وبين الإيمان والوطن. تُعد هذه الحكمة المتوارثة في الجزائر جيلا عن جيل، التعبير الأسمى لإنسانية الإسلام ورسالته الكونية، التي تؤكد على كرامة الرجل والمرأة باعتبارهما يقومان معا بخلافة الله، التي تُعتبر حماية الطبيعة وتقديس العمل ونشر الأمل والفرح، إحدى ركائزها الأساسية.

وتجسد الزاوية تعبيرا حيا عن حالة تأملية تنبع من روحانية أمازيغية عفوية وتلقائية. فهي تعمل على تغيير محيط المؤمن وتمكينه من الارتقاء إلى السماء، بمده قناة اتصال حميمية مع الملأ الأعلى، دون قلعه من مجتمعه وحقائقه الأرضية الحسية/المادية. هنا يكمن جوهر الوظيفة الإنسانية لهذه الفضاءات المغناطيسية المفتوحة التي تشكل بحق، معارج للروح وصروحا لتشييد ورعاية قيم التضامن والمحبة والسلام لدى سائر البابر/الأمازيغ.

بشموليتها للمتضادات، تتجلى الزاوية كفضاء متعدد الوظائف لدرجة احتوائها الاكتمالي، لتجربة الإنسان الأمازيغي. وبالإضافة إلى كونها حبل ارتباط مع المقدس، فإن الزاوية تفتح بابا غير مرئي على المطلق، وتساهم في بث وإطلاق الطاقات الكونية. لا شك أن قيمة هذا الإرث الروحاني المتراكم على مدار العصور، أكيدة باعتباره يحمل عناصر تحليل مبتكرة بإمكانها إلقاء الضوء على جوانب استثنائية وغير مألوفة، هي من صميم ثقافتنا الأمازيغية.

ولأن روحانيتنا تلمس السر المصون وتؤسس عماد ضميرنا المكنون، فهي تعيد صياغة كبريات المواضيع المتداولة في فكرنا الإشراقي وتكشف لنا المعنى الروحي للتاريخ، بتأويلها الكشفي للحقائق التي تشترك فيها جميع الحضارات. كل هذا من شأنه أن يشحن خزانة الأسرار والأنوار التي تحملها أمتنا الأمازيغية في باطنها، والتي من شأن روح التسامح والسخاء التي تميز هذا الكنز المعنوي، المساهمة باقتدار لا يضاهى في التقريب بين الشعوب والثقافات.

يمثل البعد الصوفي للثقافة الأمازيغية، انتفاضة جلية وشهادة قطعية على الحيوية الروحية للمؤمن، باتجاه أية محاولة تهدف إلى تقزيم/تحجيم الورع وحصره في مجرد آلية شعائرية. لقد طورت هذه الروحانية منظومة إشراقية دقيقة التفصيل، تستلفت مؤشراتها لاهوتا مكتملا يُعرف تحت تسمية « المرابطية ».   ويعلمنا التاريخ أن الإيمان يرتكز في أزمنة معينة، على صيغ وطقوس تعبدية غالبا ما يعتبرها المؤمنون، أحداثا شديدة الانطباع والالتصاق بالشعائر المتعلقة بالتدين الشعبي. حيث يعكس هذا الطراز من التدين، النظرة الرموزية للكون والإدراك الطبقي والقدساني للعالم. كما يستقطب عناصر مختلفة من مميزات المجتمع الإسلامي، كتعاليم الصوفية ورسومهم الانتظامية، فواتح العرفانيين الكشفية وقواعد الزهاد الاعتكافية.

وفضلا عن الاستلهام القرآني، فإن التدين الأمازيغي يُظهر استلهاما « أنثروبولوجيا » يتجلى فيه تلقي الرموز والتعابير الشعبية. إن الحقائق المعنية بعبارة « التدين الشعبي » تشير إلى مفهوم ينطوي على خبرة كونية. ويبقى قبسٌ من التدين حاضرا في قلب كل إنسان كما في ثقافة كل شعب من الشعوب، بخاصة في إطار تعابيرها الفردية، دون أن نستثني طابعها الجماعي. من هذا المنطلق تسعى الأمة الأمازيغية، على غرار سائر الأمم، إلى التعبير عن نظرتها التكاملية للملكوت، وإدراكها للطبيعة، والمجتمع والتاريخ، موكلة أمرها للشفعاء الدينيين، حتى تحقق حصانة وبعدا إنسانيا وروحانيا فائق القيم.

إن التدين الشعبي ليس ظاهرة خاصة بالثقافة الأمازيغية. ففي العديد من الأقاليم التي تعيش فيها مجتمعات متشبعة بالقيم الإسلامية، على اختلاف مللها ومذاهبها ومشاربها، يبزغ إسلام شعبي تتعايش فيه، بانسجام، عناصر منبثقة عن المعنى الروحي للحياة، والثقافة الأصيلة للشعب، والوحي القرآتي.

ينطبع التدين الشعبي بالواقع التاريخي والثقافي الذي يترعرع فيه، حيث تترجم هذه الميزة عبر تنوع تعابيره التي ازدهرت وتدعمت، والتي تشكل إشارات كافية لتجذر حقيقي للإيمان في صفوف الشعب الجزائري، واندماجه في الحياة اليومية لجماعة المؤمنين. من هنا، يُرتقب من التدين الشعبي أن يقوم بتنوير الإيمان انطلاقا من القلب، باعتباره خلاصة لقاء الحركية الإبداعية للخطاب القرآني ومختلف العناصر المؤسسة لثقافتنا الأمازيغية. (خنشلاوي، زعيم : دور الأشراف المرابطين في تأسيس وتبلور الروحانية الأمازيغية، مجلة رسالة المسجد، العدد الثامن، أوت 2008، ص 06-16)

 

مما سبق، يتبين أن التصوف والطرق الصوفية التي كانت ظاهرة دينية/مرابطية اجتماعية حضارية عامّة في المجتمع الإسلامي، ظهرت في وقت مبكّر بالمنطقة المغاربية عموما والجزائر على وجه الخصوص. ذلك أن أفكار الزهاد الأوائل من الأشراف المرابطين والصحابة والتابعين، وصلت إليها منذ القرن الأول الهجري. كما أن أفكار سيدي أبي مدين الغوث وتلميذه محيي الدين بن عربي، انتشرت فيها قبل العهد العثماني بزمن طويل. كما أن حسن بن باديس صاحب السينية، تحدّث عن الشيخ سيدي عبد القادر الجيلاني وطريقته في القرن الثامن الهجري. من جهة أخرى تحدّث محمّد الزواوي الفراوسني صاحب (المرائي الصوفية) عن الطريقة القادرية في القرن التاسع الهجري.

وشاع التصوف في الجزائر بفضل مدرسة سيدي عبد الرحمن الثعالبي وسيدي محمّد بن يوسف السنوسي و سيدي أحمد بن يوسف الملياني والشيخ أحمد زروق وغيرهم. ولم يكن الانتماء إلى طريقة من الطرق الصوفية يُعد نقصًا أو عيبًا، بل على العكس من ذلك تماما : كان مدعاة للفخر والعزة، حيث إن أخذ الطريقة عن الشيخ كان شيئًا يُعلن عنه ويشاع بين الناس ويمارسه العلماء والتجار والساسة والجنود، فضلًا عن العامة. (3)

عرفت أقطار المغرب العربي/المنطقة المغاربية، بالمفهومين السياسي والجغرافي معا، ظاهرة التصوف في الخمسية الهجرية الثانية بصورة جلية. وتجاوب رجالها وعلماؤها مع هذا التيار الذي وصل إليهم بواسطة النزوحات ونسخ المخطوطات أو إرسالها إلى هذه الربوع، أو إحضارها عن طريق قوافل التجارة التي كانت ترحل إلى المشرق العربي، وتوجه الوفود تلو الوفود من العلماء، إلى تلك الديار العربية التي كانوا يمرون عليها في رحلاتهم إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج، ما أتاح لهم الالتقاء بشيوخ أدلاء اتخذوا من التصوف مذهبا (بالمعنى السلوكي لا الفقهي/الكلامي) ومن الزهد لباسا.

وإذا كان الأمر واضحا عند من يريد التأريخ للحركة الصوفية بصورة عامة، وللمشرق العربي بصورة خاصة، فإن الإقدام على ذلك في المغرب العربي يحتاج إلى جهد أكبر وبحث أصعب. على أن ما لا يُنكر، هو أن التبادلات الثقافية والعلمية بين العلماء والفقهاء والمحدثين والشعراء، كانت متينة متواصلة، حيث كانت مراكز المدينة المنورة، والبصرة، والكوفة، وبغداد، ودمشق، والقيروان، والفسطاط ثم القاهرة، وبجاية، وتلمسان، وقرطبة، وإشبيلية، ومراكش، وفاس، طوت المسافات وقوت فيما بين علماء المغرب العربي وعلماء المشرق العربي، الصلات والأواصر. واشتهر أعلام في هذا المجال هنا وهناك، يصعب على الدارس أن يُحصيهم عدا أو يحيط بأسمائهم علما. لكن هذا لا يمنع من الوقوف عند بعض الشخصيات الصوفية التي أسهمت بقسط وافر في التأسيس والتأريخ..

أولُ من سُمي بالصوفي، هو أبو هاشم الصوفي المتوفى سنة 150 هجري، وهذا التاريخ المبكر لظهور التصوف، وإجماع الآراء على أنه ترعرع في بيئة إسلامية، وانتشر ذكره في كثير من الربوع، يفند مزاعم من يقولون إن التصوف وافدٌ على الإسلام من شعوب أعجمية وديانات أخرى. ويمكن القول إن نشأة التصوف الطبيعية كانت منذ القرن الثاني الهجري، ويرى بعض الباحثين أنه في المغرب العربي يمكن أن نعود به إلى النصف الثاني من القرن الثالث أو مطلع القرن الرابع الهجري، مثلما تدل على ذلك الأسماء التي ألفينا وجودا لها خلال هذه المرحلة التاريخية.. أما النشأة الفعلية للتصوف فقد حدثت منذ عصر الخلفاء الراشدين، مثلما أثبتته المصادر التي أرخت للتصوف الإسلامي. وحسبنا الإشارة هنا إلى أن الصوفية فهموا التصوف على أنه استمساكٌ بحبل الله المتين، وثباتٌ على الشرع وتحملٌ للأذى في سبيل القيام بالشعائر. يقول سيدي عبد القادر الجيلاني : »كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة. طر إلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة. ادخل عليه ويدك في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ».

ويقول سهل بن عبد الله التستري : »أصولنا سبعة أشياء : التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنة رسول الله، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق ».

ويبدو من استقراء المصادر التاريخية أن عدد المتصوفة في المنطقة المغاربية كان كبيرا، وأن العديد منهم تعرضوا للتهميش والتحقير والقمع والاضطهاد من طرف السلط الحاكمة. بل إن بعضهم تعرض للنفي والقتل، وهذا على رغم أن التصوف في هذه المنطقة لم تكن فيه مبالغة، لكن أصحابه مع ذلك تعرضوا لحرب شعواء من طرف بعض الفقهاء، لأن مواقف الصوفية ومواقف الفقهاء متباينة تماما، حيث إن الفقهاء عُرفوا تاريخيا بموالاة السلطة، بينما اشتهر الصوفية بالمعارضة للسلطة، ما جر عليهم الويلات التي أشرنا إليها سابقا، وتسبب في ضياع الكثير من إنتاجهم الذي تعرض للتحريق أو المصادرة من طرف السلطة. كما تعرضوا أيضا لتشويه صورتهم والكذب عليهم والتعمية على حكاياتهم وأخبارهم من طرف الكثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، الأمر الذي زاد من صعوبة البحث التاريخي في هذا المجال بسب الضبابية والتحامل المغرض التي تكتنف الكثير من المصادر البحثية.

ويؤكد محمد كرد علي، أن أبا هاشم الصوفي ليس أول من تسمى بالصوفي فحسب، بل إنه « أول من تسمى بالصوفي من أهل السنة ». في تلك المرحلة أيضا عاش جابر بن حيان (الكيميائي الشهير) ولُقب بالصوفي أيضا، الأمر الذي يؤكد ظهور واشتهار مصطلحات مثل « الصوفي » و »التصوف » في وقت مبكر من التاريخ الإسلامي. وهناك كثيرون آخرون عُرفوا، في ذلك العصر، بلقب « الصوفي »، أمثال : عبدك الصوفي، الذي قيل عنه إنه « أول كوفي يُطلق عليه اسم صوفي بعد انتقاله إلى بغداد ». وقد كان عبدك هذا، رجلا منزويا زاهذا، توفي في حدود سنة 210 هجري/825-826 ميلادي، وعبد الواحد بن زيد، أحد الزهاد الوعاظ في البصرة (ت 177 هجري/793 ميلادي) الذي وصفه ابن تيمية بـ »الصوفي الأول ». إلى جانب ذلك نسمع شقيقا البلخي أحد زهاد خراسان (ت 194 هجري/809 ميلادي) يقول « إن الرعاة في كل عصر العلماء والصوفية ». إن الطابع التقريري لهذه العبارة، يدل على أن اصطلاح « الصوفية » كان يومئذ اصطلاحا مألوفا، وأن وجود ناس يُسمون بـ »الصوفية » خلال القرن الثاني للهجرة كان أمرا واقعا مفروغا منه.

بل إن الصوفية استطاعوا مع نهاية القرن الثاني، أن يشكلوا تنظيما ثوريا معارضا للسلطة، حاول القيام بحركة تغييرية جذرية في مدينة الإسكندرية، حيث يقول المؤرخ آدم متز : »في عام 200 هجري، ظهرت في الإسكندرية طائفة يسمون الصوفية، يأمرون بالمعروف، فيما زعموا، ويعارضون السلطان في أمره، وترأس عليهم رجلٌ منهم يقال له أبو عبد الرحمن الصوفي ». هذا الكلام يضع أمامنا عدة واقعات لها دلالاتها التاريخية في موضوعنا، فنحن نرى هنا :

أولا- أن الصوفية عام 200 هجري، قد وُجدوا بالإسكندرية بالفعل.

ثانيا- نراهم يؤلفون طائفة/تنظيما، أي إنهم يشكلون في مجتمع الإسكندرية وضعا له طابع الظاهرة العامة.

ثالثا- أن لهم شكلا تنظيميا يستدعي أن يكون لهم رئيس « أبو عبد الرحمن الصوفي ».

رابعا- نرى أن لهذه الطائفة/التنظيم وجودا مؤثرا في مجتمعهم.

خامسا- أن وجودهم المؤثر هذا، يشق لنفسه مجالا في النشاط الاجتماعي السياسي « يأمرون بالمعروف ويعارضون السلطان في أمره ».

وإذا تركنا حديث آدم متز، ورجعنا إلى المصدر الذي أخذ عنه ذلك، أي إلى الكندي أبي عمر محمد بن يوسف المصري المؤرخ (وهو غير الكندي الفيلسوف) وجدنا هذه « الطائفة الصوفية » ذاتها تُدعى للمشاركة في إحدى ثورات الإسكندرية، فتشارك بالفعل مع حلفائها الأندلسيين، وينتصر هذا الحلف، ويبلغ أثر ذلك التنظيم الصوفي في هذه الثورة، أن يولى رئيسها أبو عبد الرحمن الصوفي، سلطة المدينة/الإسكندرية باسم الحلف نفسه. هذه الواقعات كلها، نراها عام 200 هجري. ومن الواضح أن ذلك العام لا يمكن أن يكون هو نفسه عام ظهور الصوفية. فلكي يبلغ حضورها التاريخي هذا القدر البارز، يجب بحكم طبائع الأمور، أن يكون قد انقضى على وجودها زمنٌ كاف يسبق عام 200 هجري، حتى توجد كطائفة وحتى تتكون كتنظيم، وكقوة فاعلة في مجتمعها إلى الحد الذي رأيناه. (مروة، حسين : النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، 02/165-166)

يظهر مما سبق، أن المضمون الأصلي الذي انطلقت منه الحركة الصوفية، هو معارضة الأوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة في ظل الاستبداد الأموي، وفي ظروف ازدياد التمايز الاجتماعي الفاحش بين إثراء الحاكمين المفرط وإفقار الفئات الاجتماعية العريضة، ومنها المثقفون والمجاهدون السابقون في سبيل الإسلام (كبار وصغار الصحابة). فهذا الصحابي الصغير عبد الله بن عمر الذي رأيناه في جملة من اعتزلوا الأحداث اعتزالا عدميا بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، نراه في عهد الحجاج الطاغية يعلن هذه المقولة الصريحة الصارخة : »ما شبعتُ منذ مقتل عثمان ». ولم يكن عبد الله بن عمر، حين أطلق صرخته هذه، يشكو جوعه هو شخصيا، لأنه كان في ذلك الحين لا يزال ملتزما سلوك الزاهد الممعن في زهده، وإنما كان يريد بذلك إعلان موقف المعارض للمظالم الاجتماعية السائدة على عهد الحجاج، بقدر ما كان سلوكه الزهدي نفسه تعبيرا عن هذا الموقف المعارض. أي إن الزهد، في تلك المرحلة التاريخية، لم يبق سلوكا عدميا يعبر عن موقف الحياد والهروب من المعركة السياسية الدائرة، بل دخل المعركة منحازا إلى صفوف المناهضين للتسلط الاجتماعي السياسي الجائر. وقد ظهر في أوساط الزهاد، الذين تكاثروا حينذاك، من حملوا بمسلكهم الزهدي مضمون هذا الانحيا.. بمعنى إنه أصبح ظاهرا، منذ النصف الثاني للقرن الأول للهجرة (السابع الميلادي) أن مسلك الزهد في الكوفة أو في البصرة أو في مصر، ليس كما كان بعد مقتل عثمان مباشرة، هروبا من المعركة، بل احتجاجا سلبيا على واقع العلاقات الاجتماعية والسلطة السياسية الممثلة لها، بما تحدثه من ظلم في المجتمع، أي إن الظلم الاجتماعي كان هو الباعث للناس في الكوفة والبصرة على  الزهد، وهو الزهد الآتي من الأحداث التي تناوبت قتل ذريع ومن خيانة ومن نصرة للباطل ومن حسرة على العجز عن رد الظلم.. من هنا، فإن الميل إلى الزهد كان مرتبطا بالثورة على السلطة القائمة. إن كثيرا من المسلمين لجأوا، احتجاجا على ما ينكرون من حكومة ونظام، إلى الاعتكاف والزهد. (مروة، حسين : النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، 02/151-152)

في هذا السياق، نجد الحسن البصري، وهو من أوائل الزهاد، يخرج عن موقف التحفظ والتردد والمهادنة حيال الواقع السياسي الاجتماعي، ليعلن معارضته الصريحة والصارخة للسلطة الأموية وأيديولوجيتها الدينية الرسمية. وفي هذا الصدد يروي ابن الأثير، أن قيل للحسن البصري بشأن ما وجهه سابقا إلى الخليفة الرابع علي بن أبي طالب من اللوم على خروجه لحرب خصومه، فقال الحسن : »تلك كلمة باطل حقنتُ بها دما ». والمقصود هنا أنه حقن بها دمه هو شخصيا. فمعنى تصريحه هذا إذن، أنه كان من قبلُ قد اضطر أن يقول في علي بن أبي طالب ما لم يكن يعتقده فيه، وأنه إنما فعل ذلك حفظا لحياته هو شخصيا ليس غير.. فهذا كلامٌ صريحٌ يخرج به الحسن البصري، في زمن متأخر عن حرب الجمل وحرب صفين، من موقف التردد والحياد، أو موقف الخوف على حياته، إلى موقف الخوف من ذنبه ذاك، أو موقف الندم على نصرته الباطل دون الحق الذي يعتقده.. هذا الاستنتاج يؤكد أن الحسن البصري عقب على تصريحه ذاك بأن وصم معاوية، الخصم الأكبر لعلي بن أبي طالب، بمعايب خطيرة. أي إن الحسن البصري بلغ هنا من استحكام عقدة الذنب عنده حدا يدفعه للتفجر بكل ما كان يكتمه ويتحفظ على إبدائه من قبل. وهذا يفسر موقفه في مسألة القدر، حيث وجدنا أن معبدا الجهني وعطاء بن يسار، يأتيان الحسن البصري فيقولان له :

« يا أبا سعيد، هؤلاء الملوك (المقصود خلفاء بني أمية) يسفكون دماء المسلمين، ويأخذون أموالهم، ويقولون : إنما تجري أعمالنا على قدر الله تعالى ».

فيقول لهما الحسن البصري : »كذب أعداء الله ».

فها هو ذا الزاهد البصري الأول ينطلق هنا، بأكثر من إبداء الرأي الصريح في مسألة القدر، على رغم أن هذا الرأي بذاته كان يُعد تحديا كبيرا ومباشرا للحكام الأمويين، فقد تجاوز إبداء الرأي المحض، إلى نسبة « الكذب » إلى الأمويين أولا، ووصفهم بأنهم « أعداء الله » ثانيا. فهذا موقفٌ للحسن البصري، واضحُ الدلالة على تحوله عن موقف التحفظ والتردد والمهادنة مع الأمويين، وهو الموقف الذي كان عليه أثناء الثورة على الخليفة عثمان وأثناء حربي الجمل وصفين. وقد أصبح الزهد الذي ارتداه موقفه الجديد بعد هذا التحول، هو الطابع العام المميز لحركة الزهد حينذاك كلها، والزهد العراقي بوجه خاص، لأن العراق كان أصل الثورة في وجه التسلط الأموي منذ خلافة عثمان، ومنذ صدرت عن ممثل الخليفة في الكوفة، وكان من أمراء الأمويين، تلك المقالة المتعجرفة المتحدية : »إن السواد بستان لقريش ». (مروة، حسين : النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، 02/153-154)

ومن أوائل الصوفية في المنطقة المغاربية، بكر بن حماد التيهرتي (ت 295 هجري) الذي كان تلميذا للإمام سحنون أحد تلاميذ الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة. حيث تأثر بكر بن حماد كثيرا بسحنون، وعبر عن ذلك في شعره. ومع ما قد يلاحظه الدارس من خلط بين الزهد والتصوف في المرحلة الأولى، فإنه يحق لنا أن نستأنس بشعر الشاعر المذكور، ولا نرى ضيرا في أن يُلحق بعضُه بشعر التصوف مثلما ينص على ذلك الباحث رابح بونار. (راجع : مرتاض، محمد : التجربة الصوفية عند شعراء المغرب العربي في الخمسية الهجرية الثانية، ص 08-13)

 

 

3- من الإسلام الرسمي/إسلام الفقيه إلى الإسلام الشعبي (الولي/الزاوية) :

 

إذا كان الإسلام الشعبي لا يتجدد إلا على قاعدة الاختلاف عن سائر مستويات الإسلام، كالإسلام الرسمي/ إسلام الفقيه، فمعنى ذلك أنه يمثل الشكل التاريخي للدين كما تمثلته فئاتٌ ذات موقع اجتماعي ومستوى معرفي محددين. ومن المؤكد أن هذا الإسلام/ التدين الشعبي أخذ عبر التاريخ أشكالا وتعابير تجلى من خلالها، وأنه كان له أثرٌ في مختلف المواقع الفاعلة في المجتمع.. إن تنوع مضامين التمثلات الدينية الشعبية واختلاف مراجعها، وانفتاحها على حقل واسع من الممارسات، عوامل تجعل علاقة الإسلام الشعبي بالإسلام الرسمي/إسلام الفقيه، علاقة مشكلة/إشكالية. وكذلك الشأن بالنسبة إلى علاقة الإسلام الشعبي بالمقدس المبثوث في النسيج الاجتماعي والثقافي، ما يجعله قابلا لاتخاذ تشكلات وتعابير مختلفة ومتنوعة تجعل الالتزام بمعنى واحد ضربا من التعسف. فكيف كانت العلاقة بين الإسلام الشعبي وتشكلات المقدس في التاريخ ؟

يُحيل الإسلام الشعبي، على تعابير وتمثلات دينية غير قابلة للتحديد النهائي. فهو، شأنه شأن العامل الديني عموما، ليس في ذاته حقيقة ملموسة تمكن ملاحظتها (بالمعنى العلمي للملاحظة). إننا لا نلتقط منه إلا بعض التعابير والوسائل الناقلة : من إشارة وكلام وأشياء ونص وبناء ومؤسسة وجمعية واحتفال واعتقاد ومكان وزمان وشخص وجماعة. فكل شيء يشير إلى العامل الديني، مع بعض التلوينات المختلفة من دون أن نتمكن من تحديده أو الإمساك به. إنه شيء مركب وغير منفصل عن المقصد وعن الهدف المراد منه، وهو مستقر بشكل كامل. وعندما يُفكك، لا يبقى منه إلا العنصر القابل للتقديم الموضوعي : أي الشخص الذي يمارسه.. من هنا، يُفترض التمييز في صلب الدين، بين إسلام رسمي/ إسلام الفقيه، وإسلام شعبي عامي. تماما مثلما يتم التمييز في صلب الأوساط الاجتماعية، بين خاصة وعامة، وبين فئات عليا (أغنياء ووجهاء) وفئات دنيا (فقراء)، وبين حضريين وقرويين وبدو، وبين تنظيم اجتماعي قبلي وتنظيمات اجتماعية تجاوزت القبيلة. كما يُفترض التمييز في صلب الأطر الثقافية، بين ثقافة عالمة مكتوبة وثقافة شعبية تغلب عليها المشافهة. ويمكن أخذ هذه التمييزات بعين الاعتبار في دراسة الإسلام الشعبي، من خلال تبين الإسلام في حالاته التاريخية والاجتماعية والأنثروبولوجية، ومن خلال تجاوز التصور اللاهوتي لإسلام « واحد » ومتعال ولا تاريخي. كما يمكن من الكشف عن التنوع الكبير الذي يميز التعبير الديني وصوره وأشكاله. (جويرو، زهية : الإسلام الشعبي، ص 41-43)

 

ويُعد إدمون دوتيه من أوائل من أقروا بوجود نمطين في الإسلام المغاربي : الإسلام الشرعي/الرسمي/الأرثوذكسي/إسلام الفقيه، والإسلام الشعبي/إسلام المرابطين/الصوفية. وهو في نظره (أي الإسلام الشعبي) مزيج من رواسب الثقافة البربرية/الأمازيغية ومن تعاليم الإسلام، ومتسم بالممارسات السحرية (الروحانية الباطنية) وبتغليب كل ما هو عجيب/خارق للعادة (الكرامات) إلى درجة جعلت بعض الباحثين الغربيين (منهم جاك بيرك) يقولون : إن الإسلام تبربر أكثر مما أسلم البربر. وفي السياق نفسه، أقر ألفريد بل، بوجود دين رسمي معزول عن باقي المظاهر المجتمعية، ومجموعة من العقائد الدينية الشعبية. كما ميز بين معتقدات وشعائر رسمية، وبين فهم شعبي للإسلام ساير المعتقدات المحلية وتأثر بها.

تبدو هذه القراءة، على رغم موضوعيتها النسبية، مطبوعة بمركزية الذات الغربية التي جعلت أصحابها ينظرون إلى المجتمعات المستعمرة (بفتح الميم) وإلى ثقافاتها، انطلاقا من خصائص الأطر التاريخية والمعرفية التي ينتمون إليها، فاستعملوا في دراسة هذه المجتمعات، المفاهيم والتصورات التي استعملت في دراسة المجتمعات البدائية المتوحشة.

كما يبدو الاهتمام ببعض تجليات الإسلام الشعبي، موجها في هذه الموجة الأولى من المشاهدات التاريخية، توجيها سياسيا جعل معظمها يشبه في محتواه محتوى التقارير البوليسية التي تتقصى مدى قدرة الطرق الدينية ونفوذها، خاصة بعد أن اتضح لأصحابها أن الإسلام هو سر المقاومة وأنه ما دام متأصلا في شعوب ما وراء البحار، فلن يُكتب الدوام للاستعمار الغربي.  (السابق، ص 46-48)

واتجهت أولى الأبحاث الأوروبية المشار إليها سابقا، إلى تصنيف تم بمقتضاه حصرُ الإسلام الشعبي داخل دائرة الأولياء/المرابطين. ومن الدراسات النموذجية في هذا المجال، كتاب درمنغام الموسوم « تقديس الأولياء في الإسلام المغاربي » الذي صنف الأولياء على أساس ما لاحظه بينهم من فروق. فهم في نظره إما « أولياء شعبيون، يستندون إلى حكاية شعبية تبرر صلاحهم وكراماتهم، وهؤلاء يتسع مجال إشعاعهم أو يضيق بحسب أهمية المجموعات التي يرتبطون بها. وإما أولياء عالمون من أقطاب الصوفية المؤسسين لطرق التعليم الصوفي، ويتميزون بالعلم والمناقب ». وتضمنت دراسته عرضا مفصلا عن مفهوم الولاية وأنواعها وأنماط الأولياء وخصائصهم، وعن المجموعات القبلية والعشائرية التي ارتبطت بهم. ورأى أن « تقديس الأولياء هو التعبير الأوسع عن الإسلام الشعبي المتسم بالانفتاح والتلقائية، بخلاف الإسلام الرسمي/إسلام الفقيه، الذي أصابه التحجرُ والانغلاق ». كما خصص في عمله أقساما مهمة لوصف الطقوس والاحتفالات المرتبطة بالزوايا والأولياء، ووصف النذور (جمع نذر وهو الوعدة بالتعبير الشعبي) وطرق تقديمها ومناسباتها ووجوه استعمالها. ووصف مراحل الاحتفالات وسلوك الأفراد والجماعات أثناءها، وبين ما يرتبط بها أحيانا من معان ودلالات اجتماعية واقتصادية ونفسية. فهي في نظره تضمن توازن العلاقات داخل المجموعات القبلية وفيما بينها على الصعيد النفسي، وفي ذلك مجالٌ للتنفيس عن المكبوت. وهي بالإضافة إلى ذلك، ذات وظيفة علاجية تتعلق بالخصوبة وبالصرع الذي يعزوه الاعتقاد الشعبي إلى تملك الجان بالمصاب، وهو ما يقتضي طقوسا تشمل الحضرة والوعدة. ورأى أن النذر/الوعدة، طقسٌ يُعبر به عن الاعتراف للولي بالجميل عند شفاء المريض أو تحقيق الحاجة موضوع الزيارة أو النذر. كما إنها أيضا تعبيرٌ عن استمرار الوفاء بالعهد.

كما اهتم درمنغام بالوظائف السياسية للزاوية. فهي في المجال المدني تعتبرُ مركز رئاسة المدينة وحمايتها. وفي المجال الريفي تمثلُ رمزا لوحدة المجموعة المستمدة من مبدأ القرابة بينها وبين الولي، فهو بالنسبة إليها الجد أو المؤسس لوحدتها. وفضلا عن وظائف الرئاسة والحماية وتعهد وحدة الجماعة، تلعب الزاوية أدوارا سياسية أخرى منها التحكيم والقضاء بين المتخاصمين والفصل في النزاعات سلميا، وهو ما يوظف رمزية القسم (بفتح القاف والسين) في فضاء الزاوية بتوظيف قوة الولي الرمزية وما تثيره من خوف من عقابه، ومن رغبة في الاستفادة من بركته، وبتوظيف مبدأ « الحرمة » الذي يمثل تجليا شعبيا لمبدأ « الحرم » القائم على الاعتقاد في قدسية الفضاء.

فضلا عن ذلك، كانت الزاوية توفر جملة من الخدمات، منها الحماية والأمن للمستجيرين بالولي والفارين من السلطة وللملاحقين في خصومات قبلية (هذه هي الوظيفة الأمنية للولي/الزاوية، التي يطلق عليها في منطقة القبائل والكثير من المناطق الأخرى، مصطلح : العناية) بالإضافة إلى إيواء عابري السبيل وضمان سد حاجة الفقراء بما كان يُحبس على الزاوية من أملاك يطلق عليها مصطلح « الأوقاف ». كما كانت الزاوية تمثل فضاء للتبادل الاقتصادي، بما كان يُقام في فضائها أثناء مواسم الزيارة من أسواق.

أما الاحتفالات المرتبطة بتقديس الأولياء، فإن درمنغام قسمها بحسب الفضاء : فهناك احتفالات مرتبطة بزوايا المدن كاحتفالات الزواج والختان وسائر الاحتفالات المقترنة بطقوس العبور. وهناك احتفالات مقصورة على زوايا جبال الأطلس وهي خاصة بالبربر/الأمازيغ. وهناك احتفالات خاصة بزوايا السهول، وهي احتفالات القبائل العربية.

وعموما، تُسعفنا هذه الدراسات بجملة من النتائج التي يمكن أن تساهم في زحزحة الفهم التقليدي للإسلام بعد تخليصها مما علق بها من شوائب لا علمية، ومنها :

تنمية الوعي بما في الإسلام من تنوع، يتجلى خاصة في التمييز بين إسلام رسمي/إسلام الفقيه، وإسلام شعبي يمثله الولي/الزاوية.

ترجيح أثر الإطار العمراني في فهم الناس للدين، فقد رأى لوتورنو مثلا، أن نمط الإسلام السائد في المدن المغربية، هو النمط الرسمي/إسلام الفقيه، القائم على ممارسة تعاليم الدين طبقا للمذهب المالكي أساسا. بينما ساد في الإطار الريفي والقروي، حيث يغلب التنظيم القبلي، نمطٌ شعبيٌ من التدين قائمٌ على استيعاب معتقدات موغلة في القدم، تمثل عمق الذاكرة الثقافية للإنسان البربري/الأمازيغي. ويُعلل ألفريد بل ذلك بأن الزوايا المبثوثة في القرى والأرياف، عجزت عن الرفع من مستوى فهم الدين عند البدو والقرويين، وذلك بسبب ما يعتبره عجز الدين الأساسي/الشعبي عند البربر/الأمازيغ، عن استيعاب مقولات الدين الرسمي/إسلام الفقيه. والواقع أن الزوايا لم تعجز عن رفع مستوى التدين عند البدو والقرويين، بل إن الصوفية/الأولياء رفضوا منذ القرن الأول الهجري أطروحة الإسلام الرسمي/إسلام الفقيه، وعارضوها بشدة حتى تعرضوا بسبب ذلك للاضطهاد والتشريد والقتل. وفي إطار التصنيف ذاته، ذهب جاك بيرك إلى أن أنموذج المتدين السائد في المدينة هو أنموذج الفقيه، بينما ساد في البوادي والقرى أنموذج الصوفي/الولي. وهذا يعود إلى أن السلطة التاريخية وخطابها كان تأثيرهما الأكبر في المدن حيث سيطرة خطاب الفقيه، بينما بقيت القرى والبوادي خارجة عن سيطرة خطاب السلطة لأنها تتبع الصوفي/الولي. من هنا رأينا أن هذه كانت هي حال المغرب الأوسط والشرقي حتى نهاية الحكم العثماني واحتلال المنطقة من طرف الفرنسيين.

إثبات أثر العوامل التاريخية في ما يُلاحظ في الإسلام من تنوع. وعلى هذا الأساس ميز جاك بيرك بين ثلاث فترات، امتدت الأولى من القرن الثاني عشر الميلادي إلى القرن الخامس عشر الميلادي، ساد خلالها الإسلام المرابطي/الصوفي، ويرى أنه لعب دورا مهما في تحقيق الاندماج الاجتماعي بينما ساد « الشرفة » في القرن السادس عشر الميلادي، وساد الإسلام الطرقي بداية من القرن السابع عشر، لتشهد الطرق أوج انتشارها في القرن الثامن عشر.

ومن الملاحظ أن العديد من الدراسات السوسيولوجية اللاحقة، بينت بعض هذه النتائج. ففي قراءة تأخذ بعين الاعتبار الأسس الاقتصادية والاجتماعية والنفسية الفاعلة في صياغة التمثلات الجماعية، أقر عبد الوهاب بوحديبة بتعدد الإسلام المغاربي، نظرا إلى تعدد الواقع الاجتماعي. وخرج في تصنيفه عن التصنيف الثنائي، إلى تصنيف ثلاثي ميز فيه بين « إسلام المدن » و »الإسلام الشعبي » الذي يتجلى في إسلام الزوايا والصوفية الطرقية، والإسلام الساسي. ومن المنظور السوسيولوجي نفسه، يرى بيير بورديو أن الإسلام التاريخي متنوع، لأنه يتأقلم مع المرحلة التاريخية التي يعيشها المجتمع، ولأنه ينتقي في كل مرحلة من القيم الدينية ما يتماشى معها.

كما أثبتت بعض الدراسات التاريخية هذه النتائج، حيث ميز عبد الله العربي مثلا، بين الإسلام الرسمي، وهو إسلام الدولة، وإسلام الزوايا الذي يمثل الإسلام الشعبي، والإسلام السياسي الذي تمثله الحركات السياسية الأصولية التي اتخذت من الدين خلفية تعبر من خلالها عن احتجاجها ضد السلطة. كما ميز محمد الهادي الشريف بين نمطين رئيسيين في عهد الحسين بن علي بن أبي طالب : نمط ساد في المدن، وهو دينٌ تمثله اجتماعيا الفئات العليا (الوجهاء والأغنياء وأصحاب السلطة) ومجاله الثقافي هو الثقافة المكتوبة والتعليم الديني الفقهي، ويستمد سلطته من كونه مرجع القوانين الشرعية/الأحكام الفقهية.

أما في الأرياف، فالإسلام السائد هو الإسلام الصوفي/إسلام الزوايا، وتمثله اجتماعيا الفئات الدنيا (الفقراء والعامة) ومجاله هو الثقافة الشفوية، ويستمد ثباته واستمراره من سيادة التقاليد.. وهكذا، أثبتت الدراسات التاريخية والسوسيولوجية من منظور تاريخي، أن الدين منظومة متحولة ومتحركة، وأن الإسلام ظل عبر تاريخه متأثرا بسياقه الاجتماعي والثقافي والمؤسسي/المؤسساتي، وأن الإسلام متعددٌ بتعدد المجالات الاجتماعية، ومختلفٌ باختلاف الفاعلين الاجتماعيين وباختلاف تمثلاتهم الدينية والرمزية.

ومع ذلك، نجد أن الدراسات الاستشراقية المتعلقة بالإسلام، تنتسب إلى مجال الإسلاميات الكلاسيكية، التي ساهمت في تكريس التصور الفقهي العالم (بكسر اللام) للإسلام عندما اقتصرت على دراسة الإنتاج الديني/الفقهي وتراثه الرسمي ممثلا خاصة في كتابات الفقهاء وسائر علماء الدين، ولم تول مظاهر التدين الاجتماعي ما تستحق من العناية. هذه المظاهر والتعابير التي ألغتها الإسلاميات الكلاسيكية، بينما اعتبرها علم الاجتماع الديني الحديث، داخلة في صلب اهتماماته، لأنها هي التي تبرز الإسلام الحي والمعيش في الواقع المجتمعي، لا إسلام الكتب والفقهاء المنظرين، الإسلام كما هو في الواقع وكما يتحرك في الواقع، لا الإسلام النظري المثالي. والواقع أنه، كما يقول الباحث محمد أركون، لم تتم دراسة الطرق التي تمت بها ممارسة الإسلام في الواقع التاريخي فعلا، ولا التعابير التي تمثلت بواسطتها الإسلام شعوبٌ إسلامية لا تملك الكتابة، على غرار البرير/الأمازيغ والأقارقة. كما أهملت الأبحاث تعابير الجماهير الشعبية. وفي هذا ما يؤكد نتائج الدراسات النظرية حول مفهوم الدين الشعبي، عندما ربطته بالثقافة الشفوية أساسا. وهو ما يقتضي منهجيا البحث عن تجليات هذا الدين/التدين، وعن دلالاته ووظائفه بالنسبة إلى أصحابه في صلب هذه الثقافة بالذات، وليس في إطار الثقافة العالمة/الفقهية النظرية.

ثمة فئاتٌ وشرائح واسعة جدا من المسلمين، لم يكتبوا إسلامهم/تصوراتهم للدين، حتى وإن كانوا يستطيعون الكتابة، لأنهم يحملون من الإسلام موقفا ورؤية لا ينسجمان مع الأيديولوجية الدينية الرسمية المهيمنة، ولا مع الاختيارات السياسية المتحكمة. لذلك نجد هذه الفئات نفسها مجبرة على قول ما لا تفكر فيه، أو على التفكير في أشياء لا تستطيع قولها ولا كتابتها، الأمر الذي يقتضي دراسة السلوك الديني أو اللاديني الذي تمارسه هذه الفئات، باعتباره تعبيرا من تعابير الدين المعيش. وهذا ما يدعونا إلى التفكير في ما إذا كان الإسلام الشعبي محصورا في السلوك الديني وفي الممارسات التي تعبر بواسطتها فئاتٌ من الشعب عن تدينها، أم إنه يشمل إضافة إلى ذلك، السلوك والممارسات التي تعبر بواسطتها فئاتٌ أخرى، عن موقف من الإسلام مختلف عن موقف المتدين بوجهيه الشعبي والفقهي.

إننا نتساءل في هذا السياق، عن موقع الفئات المثقفة التي تنتمي اجتماعيا إلى الفئات الشعبية، لكنها تختلف في سلوكها الديني وفي تمثلاتها للدين وفي تصورها لموقعه من التنظيم الاجتماعي، بفعل تبنيها موقفا علمانيا، لا تتاح أمامها دائما إمكانيات التعبير الصريح عنه. وعلى رغم ذلك، فإنها تعبر بسلوكها اليومي والعادي وبردود فعلها البسيطة، عن شكل مخصوص من أشكال التدين الجديدة التي ظهرت نتيجة ما شهدته المجتمعات الإسلامية في الحقبة المعاصرة، من تحولات مست بأثرها المنظومات الدينية والرمزية، حتى أصبح من غير الممكن أن تستند أشكال التدين اليوم، إلى الرأسمال الرمزي القديم والمناخ الأسطوري السابق، بعد اهتزت هذه العناصر بفعل زحف الرؤية العلمانية للدين.

(جويرو، زهية : الإسلام الشعبي، ص 49-56)

 

4- الجذور التاريخية للإسلام الشعبي (الولي/الزاوية) :

حتى نصل إلى سبر أغوار جذور التدين الشعبي، لا بد من العودة إلى أصول المعتقدات والتصورات الدينية الشعبية، وتتبع مسارها عبر الزمن، بهدف فهمها وإدراك حقيقة التحولات التي طرأت عليها بفعل العوامل التاريخية. من المعروف أن الإسلام عامل ما وجده في محيطه الاجتماعي والحضاري من عقائد بأشكال مختلفة. وفي هذا الإطار، نجد أن الإسلام :

استقطب العديد من العناصر العقائدية والطقوسية التي وجدها سائدة قبله. فالحج الإسلامي مثلا، أدمج الكثير من عناصر الحج الجاهلي وطقوسه، كما أدمجت الأضحية الإسلامية القربان الإبراهيمي. واستقطب الإسلام الكثير من العقائد والتصورات الوثنية التي كانت معروفة قبله، ومنها الاعتقاد في أن العالم مسكون بأرواح غير مرئية وبقوى، منها ما هو من طبيعة ملائكية عُلوية، ومنها ما هو شيطاني سفلي. وهي قوى يسميها القرآن « الجن »، وتدل على كل ما هو غير مرئي، كما تدل كذلك على الشياطين والملائكة. ومن الثابت أن هذا الاعتقاد، أطلق العنان للخيال، فنسج حكايات تعج بها الكتابات الدينية، الشعبية منها والعالمة/الفقهية. كما تولدت عنه جملة من العقائد والتصورات الشعبية، منها أن الجن رُسل الشيطان وقوة عدوة قد تلتبس بالإنسان فتضلله وتجلب له الشر، فيلجأ إلى طقوس لإخراجه، والاعتقاد في أنهم (الجن/الأرواح السُفلية) قد يكونون أعوانا لأصناف مخصوصين من البشر، يمتلكون القدرة على توظيفهم والتعامل معهم. وهي اعتقادات وتصورات مازالت سائدة إلى اليوم، تفسر اللجوء إلى طقس « الحضرة » الذي يستخدم لإخراج الجن المتلبس بجسد الإنسان وروحه.

حارب الإسلام الرسمي/إسلام الفقيه، الكثير من العقائد والتصورات، دون أن يتمكن من القضاء عليها. من ذلك مثلا، أن محاربة الإسلام الرسمي/إسلام الفقيه للسحر والممارسات السحرية، لم تفلح في إنهائها. لذلك ظل الاعتقاد في اختصاص بعض الناس بقدرة خارقة على الفعل في الأشياء وعلى إحداث الفوضى والخلل في نظامها، يؤسس لمختلف الممارسات السحرية. وبهذا الاعتقاد فسر ليفي شتراوس ما كان يتمتع به « الساحر » كيساليد من قدرة، حيث يرى أنه لم يعد ساحرا عظيما لأنه كان يشفي مرضاه، بل إنه كان يشفي مرضاه لأنه كان قد أصبح ساحرا عظيما. فقدرة الساحر أحيانا، تكون مكتسبة من عقيدة وتصورات الناس الذين أسندوا إليه تلك القدرة الخارقة.

كما حارب الإسلام الرسمي/إسلام الفقيه، الممارسات التنبئية، من كهانة وعرافة وتنجيم. وحارب أشكال التطير والزجر، دون أن يقضي عليها حيث ظلت تشكل جانبا مهما من معتقدات وتصورات الناس منذ أقدم فترات التاريخ الإسلامي إلى اليوم، وإن اختلفت أشكال التعبير عن هذه المعتقدات والتصورات، ووسائل ممارستها.

إن مبدأ التوحيد نفسه الذي تأسس عليه الإسلام وغير إلى حد ما، تصور الألوهية والنظرة إلى المقدس، لم يبق هو الآخر بمعزل عن التأثر بتمثلات المسلمين عبر التاريخ. فهؤلاء، وإن سلموا بأن الله وحده هو المتصرف في الكون وفي مصائر البشر، فإنهم ظلوا يعتقدون في وجود كائنات مقدسة عُلوية وسفلية، تعتبر بمثابة الوسائط الكونية، وتمتلك هي الأخرى قدرة على الفعل، اكتسبتها لا محالة من الله الذي يصطفي من عباده من يمكنهم من إدراك أسرار السماء، ومن معرفة الاسم الأعظم الذي تهب معرفته الحكمة والعلم والقدرة. وهذا كله مستمد في الأصل من النص الديني الذي لا ينكره الفقيه نفسه (القرآن والسنة).

فهؤلاء الذين اختصوا بمعرفة الاسم الأعظم، يحيون حياة مكرسة للتقوى والفضائل والعبادة، فيرتقون في مدارج العرفان إلى محل الاصطفاء، وهناك ينكشف لهم سر الاسم الأعظم، ذلك الاسم الذي يعتقد المسلمون، بناء على النصوص الدينية المتوفرة، بأن المرء لو توصل إلى معرفته يصبح في إمكانه إحياء الموتى وقهر العناصر وقلب مفردات الطبيعة. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن هذا الاسم الأعظم، هو الذي تحدث بواسطته وبواسطة الجيوش المجيشة من الأرواح العلوية والسفلية المكلفة بخدمته، جميع معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء.

انطلاقا مما سبق، أصبح للإسلام أولياؤه ومقدسوه (بفتح الدال) وعرف التاريخ الإسلامي أقطاب الصوفية. وشاع بين عامة الناس الاعتقاد في بركتهم وكراماتهم، بحجة أن الإسلام نفسه يقر لبعض الأشخاص ممن يتميزون بالتقوى، بنصيب في معيار القداسة. والبركة صفة مستترة غير مرئية، يضفيها الاعتقاد العام على أناس اصطفاهم الله ليضع فيهم سره، وعلى رأسهم وفي مقدمتهم الشرفاء/الشرفة/المرابطون من ذرية وسلالة الدوحة النبوية الشريفة من أبناء علي وفاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والبركة تحمي من الأمراض أو تشفيها، وتمكن من النجاح في العمل وتحقيق المقاصد والحاجات، وتوفر المحصول وتؤمن الخصوبة والازدهار. لذلك تمثل الناس هؤلاء المصطفين في موقع الوسيط الشرعي بينهم وبين الله. وعلى رغم حرص الإسلام الرسمي/إسلام الفقيه (وبخاصة الإسلام السلفي الوهابي في الزمن المعاصر) على نفي مبدأ الوساطة بين الله وبين خلقه نفيا قاطعا، وعلى تحريم جميع أشكال التقديس لغير الله، فإن العقائد والتصورات الشعبية قدست وما تزال تقدس الأولياء والصالحين، حيث يتضرع المسلمون البسطاء إلى الله في مقاماتهم وعند أضرحتهم ومزاراتهم، طالبين منه تحقيق حاجاتهم وأمانيهم وشفاء مرضاهم وذلك كله ببركة الأولياء والصالحين، تلك البركة والشفاعة التي أعطاها الله تعالى لهم كرامة لما يمثلونه من إشراق روحاني وصفاء في النية وتقوى وعمل صالح.

(جويرو، زهية : الإسلام الشعبي، ص 61-64)

ويبدو من خلال استقراء ما كُتب في هذا الموضوع من دراسات وأبحاث، أن تمايز مستوى شعبي في فهم الدين، عن سائر مستويات الظاهرة الإسلامية، ظهر في أفريقية حتى قبل اكتمال المنظومة الصوفية الطرقية. حيث يظهر أن عددا لا يُستهان به من العناصر العقائدية والممارسات الطقوسية والسلوكية الممثلة للإسلام الشعبي، كان رائجا في أفريقية منذ زمن طويل، على غرار الاعتقاد في أن العالم مسكون بأرواح خفية علوية وسفلية، وبهواتف لا مرئية تحيط بالمؤمن حيث ما حل، وتسهر على فعله، فتباركه وتؤيده وتعينه إذا حظي برضائها، وتعرقله وتحبطه إن أغضبها. والاعتقاد في أن الله خص بعض الأشخاص ممن سلكوا مسلك التقوى والنسك والعبادة الصادقة، بقدرات خارقة تخولهم معرفة ما تستحيل معرفته على سائر الناس، والفعل والتأثير/التصرف في طبائع الأشياء وإتيان الخارق من الأفعال. إلا أن هذه العناصر، ظلت مشتتة ومبثوثة في النسيج العقائدي/الذهني، وعبر النسيج الاجتماعي، حتى مثل الفكر الولائي (من الولي) إطارا استقطبها وأضفى عليها وحدة حولتها إلى منظومة لم تلبث أن استقطبت حولها أغلب الفئات الشعبية، حيث يظهر من خلال كتاب « رياض النفوس » للمالكي مثلا، أن تلك الظواهر قديمة قدم الإسلام في أفريقية، وأن ظواهر أخرى موسومة بسمات التدين الشعبي، ظلت تنضاف مع كل طبقة من طبقات العلماء والعباد والنساك المترجم لهم. ويُلاحظ في هذا الصدد، أن المالكي بدأ يفصل منذ الطبقة الثانية (من بداية القرن الثاني الهجري) بين تراجم الفقهاء وتراجم « أهل النسك والعبادة والفضل والإرادة ». ونرى في هذا الفصل علامة على ظهور نمط من التدين مخصوص، مقترن بمنزع النسك والتفرع للعبادة والمرابطة في الرباطات والثغور، وهو توجه موسوم بعدد من سمات التدين الشعبي على غرار الاحتفال بالعجيب والخارق، والاعتقاد في أن هذا المنزع التعبدي يصل بصاحبه إلى مرتبة خاصة عند الله، يُمتعه فيها بالكرامة التي تخوله أن يكون مستجاب الدعوة وأن يتمتع بقدرات خارقة. والمُرجح أن هذا المسلك وما ارتبط به من عناصر عقائدية، هو الذي مثل أرضية هيأت لنشأة المنظومة الولائية/منظومة الولاية الصوفية.

أورد المالكي في مطلع كتابه المذكور، رواية تدل على أن الاعتقاد في أن العالم مسكونٌ بأرواح خفية يقيضها الله بإعانة المخلصين من عباده، اعتقادٌ رافق المسلمين الفاتحين. وعلى رغم أن هذا الاعتقاد غير مخصوص بالعوام، بل هو من الاعتقادات الشائعة لدى عامة فئات المسلمين، وله ما يبرره في النص الديني قرآنا وسنة، فإننا نراه أقرب إلى تمثيل التصور الشعبي للدين من جهة الوظائف الموكولة إلى تلك الكائنات الروحانية الخفية. وهذا أمرٌ تبرره حقيقة موضوعية، تتمثل في أن الفاتحين الذين قدموا إلى أفريقية، كانوا في الواقع من فئات العوام غالبا، سواء من حيث مستوياتهم الذهنية المعرفية، أو من حيث مواقعهم الاجتماعية، حيث كانوا في الغالب من عوام المسلمين الذين انخرطوا في حركة الفتوحات، رغبة في الثواب الأخروي بالدرجة الأولى وفي الغنيمة الدنيوية بالتبعية.

لذلك فإن ما يرويه المالكي نقلا عن سابقيه من أخبار تتعلق بالفاتحين وبتصوراتهم ومعتقداتهم الدينية، يبدو معبرا عن كثير من سمات التدين الشعبي، حيث أورد مثلا، أن الناس اختلفوا في قبلة المسجد الذي عزم عقبة بن نافع على بنائه في القيروان، وطال اختلافهم حتى بات عقبة مغموما. فإذا بآت يأتيه في المنام ويرشده إلى سبيل الخروج من المأزق. وعندما كان بصدد صلاة الصبح، سمع التكبير بين يديه ولم يسمعه أحدٌ غيره، « فأقبل يتبعُ التكبير الذي بين يديه حتى انتهى إلى موضع محراب المسجد الأعظم اليوم. فلما انتهى إليه انقطع التكبير فركز لواءه وقال : هذا محرابكم ».

إن الاعتقاد في تخصيص الله بعض المؤمنين به والقائمين بأمره، بكرامة الدعوة المجابة، هو أمرٌ قديمٌ قدم دخول الإسلام إلى أفريقية. حيث نُسبت إلى الفاتحين الأوائل كراماتٌ من هذا الصنف، على غرار ما نُسب إلى عقبة بن نافع عندما اشتكى إليه الناس كثرة السباع والحيات في المنطقة التي اختط فيها مسجده. ذلك أنه دعا الله عز وجل وأصحابُه يؤمنون على دعائه، ثم مضى حتى وقف على الوادي فنادى : أيتها السباع ارحلي، فإنا أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر الناسُ ذلك اليوم إلى أمر عظيم : نظروا إلى السباع تخرجُ إليهم تحمل أشبالها، والذئب يحمل أجراءه (صغاره) والحية تحمل أولادها سمعا وطاعة. ثم نادى عقبة في الناس : كفوا عنهم حتى يرحلوا.

ويضيف الراوي : « إن أهل أفريقية أقاموا بعد ذلك أربعين سنة، ولو التُمست حية أو عقربٌ بألف دينار ما وُجدت ». وظل الاعتقاد في تخصيص بعض الناس من الصحابة ومن العُباد والزهاد بكرامة الدعوة المستجابة، سائدا في مختلف الفترات. يدلُ على ذلك تكرر أخبار في هذا المعنى، مسندة إلى أعلام عاشوا في فترات متباعدة، ما يؤكد أن هذا الاعتقاد لم يكن وليد الفكر الكرامي (من الكرامة) بقدر ما كان من المعتقدات القديمة التي هيأت لتمايز مستوى من التمثل الديني، مقترن خاصة بعوام/عامة المسلمين، يؤكد ذلك اقتران هذا الاعتقاد بطبقات العُباد والنساك، الذين كانوا أقرب إلى فئات العوام/العامة ذهنيا وعقائديا واجتماعيا، منهم إلى الخواص/الخاصة. ففي ترجمة أبي علي شقران بن علي الفرضي، وهو من متعبدي الطبقة الثالثة وزهادها (نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري) خبرٌ مفاده أن الرجل عشقته امرأة لأنه كان من أجمل الناس، وأن عجوزا احتالت لتجمع بينهما. ولما حصل ذلك ووجد شقران نفسه في مأزق تلك المرأة، طلب إليها أن تمهله حتى يتوضأ ويصلي. ففعل وتوجه إلى الله : « اللهم إنك قد خلقتني كما شئت، وقد خفتُ الفتنة على نفسي. وأسألك يا ربي أن تغير خلقتي وتصرف شرها عني ».

فخرج وقد تغير وجهُه، وظهر به الجذام. فلما رأت ذلك منه، دفعته في صدره وأخرجته من الدار. ومن الاعتقادات المتداولة عبر الطبقات والعصور كذلك، اختصاص البعض من الخلق بقدرات خارقة، سواء على الفعل/التصرف في نظام الطبيعة، أم على التأثير في الطبائع. فتواترت أخبار العباد والنساك القادرين على الخوض في الماء العميق، على غرار خبر أبي يزيد عبد الملك بن كريمة الأنصاري (ت 210 هجري) الذي ذُكر عنه أنه كان يأتي وادي « بجردة »، فإن لن ير أحدا، مشى بالبغلة على غير المجاز (المعبر) في ماء عميق، وإن رأى الناس خاض بها الماء وأخذ المجاز. وفي السياق نفسه، نقف على أخبار عديدة تؤكد انتشار الاعتقاد بقدرة البعض على شفاء ما استعصى شفاؤه من الأمراض والعاهات، وهو اعتقادٌ رافق مختلف طبقات المترجم لهم في كتاب المالكي المذكور، مثل رد البصر على صبي أعماهُ مرض الجدري، وإخراج الجني التابع من جسم الإنسان المتلبس به، حيث يقول المالكي : « وقد بلغنا أن رجلا من أهل البيوتات كانت له ابنة يـخذها تابعٌ، فعالجوه فلم ينفع فيه العلاج، وعندما تدخل العابد الصالح بواسطة الدعاء، كلم التابعُ (الجني) أهل البيت : أردتُ أن أخبركم بعجب. نادى مناد من الهواء، أنه قد دعا عليك شقران بن علي، اخرج وإلا أحرقت بالنار. وأنا خارج، لا ترونني بعدها أبدا ».

إن تراجم العباد والنساك الواردة في « رياض النفوس » حافلة بمثل هذه الاعتقادات، والراجحُ أنها ظلت تدور بين مختلف فئات المجتمع في حالة التلقائية والتشتت، حتى دخلت ضمن المنظومة الولائية (من الولي) التي اكتملت ملامحها وتحددت مؤسساتها بداية من القرن السابع الهجري، وفي ظل الحكم الحفصي. كما يظهر أن دخولها ذاك، إضافة إلى الوظائف التي نهضت بها المنظومة الولائية وحددت علاقاتها بالفئات الدنيا اجتماعيا ومعرفيا، كانا من العوامل الفاعلة في أن تشكل تلك الاعتقادات منظومة التدين الشعبي. ذلك أن هذه الوظائف جمعت بين السياسي والاجتماعي الاقتصادي والعقائدي النفسي، وكرست للولاية بنظامها المؤسساتي والذهني العقائدي، وضع الوسيط بين السلطة والرعية حينا، أو وضع البديل للسلطة حينا آخر. كما كرست لها وضع الوسيط أيضا بين الفئات الاجتماعية المتصارعة بما يُضفي على العلاقات الاجتماعية مسحة أخلاقية، بمناصرة الفئات المضطهدة. هذا إلى جانب قيامها بوظائف شفائية وتموينية تضامنية تكافلية، بفضل ما كانت توفره للفئات الدنيا من طعام في أوضاع الفقر وغلبة القحط، وبوظائف خلاصية إنقاذية بفضل اعتقاد هذه الفئات في ما يوفره التوسل بشفاعة الأولياء، من طمأنة لجمهور المؤمنين على المصير المنتظر بعد الموت وعلى الفوز بغفران الذنوب، وبفضل ما كان يتمتع به الولي من نفوذ مادي ورمزي، يسنده على الصعيد الشعبي اعتقادٌ راسخٌ بأن الولي ذو بركة تخوله قضاء جميع الحوائج، وفي أن الله خصه بكراماته، وفي أن الكرامة والبركة لا تنقطعان بموت الولي.

جميع ما سبق، أشاع وأسس لدى الجمهور جملة من الطقوس الهادفة إلى تعظيم الأولياء حتى بعد موتهم، منها : زيارة أضرحتهم والإقامة بزواياهم وتقديم الهدايا والأضاحي (النذور/الوعدة) والتضرع عندها، حيث يصبح ضريح الولي مكانا مقدسا، تظهر عنده الكرامات وتتحقق الخوارق، إلى درجة أن زيارة مقام الولي تقوم في نظر المعتقد في كرامته وبركته، مقام الحج بل وتغني عنه. قال بعض أهل الأحوال : « ذهبتُ إلى الحج وذهبتُ إلى بيت المقدس، فوجدت رجلا من أهل الأحوال قال لي : من أي البلاد أنت ؟ قلت : من تونس. قال لي : عندكم المغارة (توجد بجبل الزلاج)، وعندكم سيدي محرز بن خلف، وعندكم هذه الأماكن بتونس، وتأتي إلى هنا ؟ وإني سمعتُ من شيخي يقول : زيارة الأماكن بحجة مبرورة ».

وعندما ندرس الوسائل التي يتوسل بها الأولياء لتحقيق المطالب وقضاء الحوائج، نجد أن أبرزها الدعاء واعتبار جميع ما يتحقق على أيديهم، تابعا للقدرة الإلهية وصادرا عنها. والمعالجة بشيء من القرآن وبالذكر. ما يجعل قدرة الولي على التصرف، نتاجا وإفرازا لتلك القدرة الإلهية ومظهرا من مظاهرها وتجليا من تجلياتها، بحيث يبدو الولي هنا أقرب إلى الوسيط منه إلى المتصرف بقدراته الخاصة.

على هذا الأساس، شُيدت القبابُ على أضرحة الأولياء إكراما لهم وتعظيما لشأنهم وتخليدا لمآثرهم ومناقبهم، ودونت هذه المناقب في مؤلفات مثلت أحد أهم المراجع عن عقيدة الإيمان بالكرامات. بينما انتشرت طقوس الحج إلى مزاراتهم والتبرك بأضرحتهم والتوسل بهم من خلال الدعاء والإطعام والذبائح (النذور/الوعدة) لتشكل التعبير الشعبي عن العقيدة ذاتها. فالعلماء من الصوفية، هم الذين أسسوا مشروعية هذا الإيمان، وهم الذين ثبتوا بذلك، تمسك الناس به. ولا يكمن الاختلاف بين هذين المستويين، العالم/الفقهي والشعبي إلا في الوظائف التي أسندها كل طرف إلى هؤلاء الأولياء، والتي كانت تختلف باختلاف مواقع المؤمنين بها داخل المجتمع، وباختلاف مستوياتهم الذهنية المعرفية. وفي ذلك ما يدل على أن تعامل الإسلام مع بنيات اجتماعية مختلفة، هو الذي يفسر الاختلاف في مستوى التصورات والعقائد الدينية. لذلك اقترنت البيئة الاجتماعية الحضرية بإسلام السلطة/الإسلام الرسمي/إسلام الفقيه، أكثر من اقترانها بالإسلام الشعبي.

(جويرو، زهية : الإسلام الشعبي، ص 67-75)

 

5- الإسلام الشعبي/الصوفي وآليات الدفاع الثقافي (التصوير الشعبي نموذجا) :

 

يؤسس التصوير الديني الشعبي، لبنة من لبنات الهيكل الثقافي والروحي للجزائر، حيث يتجلى تذوق متميز الحيوية للفن التشخيصي ذي الصبغة التعبدية. إن أشكال ومضامين هذا الفن تفتح آفاقا معرفية للإمكانيات الأسطورية التي تطبع الحياة اليومية للشعب، كما ترسم تطلعاته إلى حياة أفضل، إلى الحرية. وفي الوقت ذاته، تبرز الطبيعة العميقة لتركيبته الذهنية، لحسه المقدس ولكينونة مخياله.

إن كشكول التصاوير هذا، يصبو إلى إعادة الاعتبار بشكل واضح وموثق، إلى ما هو مستبعدٌ من حدود الفن الإسلامي الرسمي، والذي من خلاله نقصد فن المنمنمات، التي هي وليدة بيئة حضرية تغلب عليها الأرستقراطية، حيث تعتني بالشكل أكثر من اعتنائها بالمضمون. بينما يتميز التصوير الشعبي بكونه لصيقا بالمزاولة الشفهية، مطبوعا بالتربة المحلية. تتحقق تصريحات ومضامين المسائل التي يقترح التصوير الجزائري تناولها، في إطار علاقات فن تشكيلي متأصل الجذور في الشعب. وباعتبارها انعكاسا للحس الديني الشعبي التليد المكرس في الحياة اليومية للطبقات الدنيا، تحتفظ التصاوير الموعظية بأنس وألفة ومعقولية، ما يجعلها قريبة من الطبيعة النفسية والجمالية لهذه الشرائح الاجتماعية.

إن هذه التصاوير تكشف الخيال الخارق الذي يميز الإنسان الجزائري، كما تحدد جوهر موهبته الفنية ودقة شفافيته الروحية. من المحتمل أن تكون صنعة هذه الرسومات منحدرة من فن المنمنمات، وإن كانت الأولى بعيدة اجتماعيا وثقافيا عن الثانية. إذا كانت وظيفة هذه التصاوير تكمن أساسا في تزيين الجدران، فهي في العمق تهدف إلى ترقية الورع، تعلم وتحث على التقوى. من هذا المنطلق يُعد دورها إرشاديا، فهي تزرع العقيدة وروح الإيمان بين صفوف المجتمع، وتحمل تعليما تربويا فريدا وتترجم بقوة الحس الديني الشعبي.

ساهم التصوير الموعظي بفعالية في تربية الناس الأميين، على غرار ما حدث في أوروبا خلال العصر الوسيط، حينما كانت النوافذ الزجاجية تروي أسفار الكتاب المقدس للمؤمنين الواقعين تحت تخدير مغناطيس اللغة اللاتينية، والتي وحدهم رجال الكهنوت كان بمقدورهم فكُ رموزها. وبالإضافة إلى محاسنه الفنية، يمتلك التصوير الديني فضائل لاهوتية تربوية الصبغة، ترافق بالرسم القصص المروية شفهيا. هذه التصاوير مستوحاة من الروايات، الحكايات والقصص المغترفة عموما من الدين ومن الخيال الشعبي، حيث يمكننا اليوم ربطُها بالمصادر المكتوبة التي تشكل مرجعية لها. إذا نظرنا إلى هذا الفن التشكيلي من هذه الزاوية، فبوسعنا اعتباره حقا « أدب الأميين ».

متى بدأ انتشار التصاوير ذات الدلالة الرمزية في الجزائر منذ أن دانت هذه البلاد بديانة الإسلام ؟ في ظل الواقع الحالي لعلم الآثار الديني، من الصعب تحديد تأريخ ضابط لهذه الظاهرة. كيف نفسر بروز طراز محلي للرسم يمكن وصفه بالجزائري في بداية القرن العشرين ؟ على رغم وفائها للطراز الذي تلا العصر العثماني، فإن مدرسة الرسم الجزائري ذات الشخصية المميزة والغنية بالتعبير التي تعود إلى هذه الفترة، تشرع في التحلل من قيودها محاولة فرض شخصيتها والانفتاح على التأثيرات الجمالية الجديدة.

تنتشر هذه التصاوير مع اختلاف طفيف من بلد إلى آخر. فهي شائعة في تونس والمغرب وحتى في مصر، في الشام وفي الأناضول (تركية). وباستثناء العالمين الهندي والفارسي، اللذين يمتلكان بحق « فكرا تصويريا »، فإن جميع الأنماط الكلاسيكية التي تنتمي إلى الثقافة العربية تغترف من عنصر مشترك يتمثل في النقش العثماني.

هل ساهمت الطباعة في الانتشار الكبير لهذه التصاوير ؟ مما يجعلنا نفترض وجودا قبليا لها، علما أن عملية الطباعة على الألواح تُعد أقدم وسيلة لاستنساخ مثل هذا النوع من الرسومات التعبيرية والتشكيلية. بيد أنه لا شيء يسمح لنا بالقول إن هذه التصاوير كانت موجودة في شكلها الحالي. ومن المؤكد أن توزيعها وانتشارها بهذا القدر، ما كان ممكنا قبل جلب المطابع الدوارة في القرن التاسع عشر، يعني عقب الاحتلال الفرنسي، ما يفسر الاستيعاب المحلي لعناصر كتابية مستوحاة من الأيقونوغرافيا المسيحية. لقد اغتنى التصوير الديني الشعبي الجزائري بحوافز خارجية عن طريق عملية الإدراج الانتقائي، مُظهرا في الوقت ذاته انفتاحه العقائدي. إن هذه التصاوير، التي ترجع هياكلها المطبوعة الأولى في الجزائر إلى بداية القرن العشرين، تكتسي اليوم قيمة تجارية أكيدة عند عمليات البيع المنظمة في بورصات التبادل ولدى سماسرة الآثار.

مع مرور الزمن، قامت الزوايا بنشر وتوزيع توليفة كبيرة ومشكلة من هذه الرسومات الزاهية الألوان. لا شك أن الفضل في ترقية العبادة القائمة على تقديس الصور، يرجع بالفعل إلى التدين المرابطي. إن أنصار هذا التيار الديني كانوا بلا ريب، أكبر المتداولين لهذه التصاوير الخارقة، لكونهم بحاجة إليها لتحفيز الشعب على الورع.

على خلاف تونس والمغرب اللذين لم ينقطعا عن إنتاج هذه التصاوير التي باتت جزءا لا يتجزء من المشهد الديني العام لأفريقية الشمالية، فإن الجزائر فضلت، بتعاسة، محو أي أثر لهذا النوع من التعبير الفني الذي كان يُنظر إليه، حينئذ، بتعال وريبة على أساس أنه نشاط « رجعي »، ما جعل النسيان يطوي معظم تلك الإبداعات. بل لقد سُجل في بعض الحالات، إتلافٌ عمدي للتصاوير الموعظية وعمليات حرق إجرامي وقرارات مصادرة. لقد اندثر معظم هذه الأعمال الفريدة التي تحكي ماضينا المخيالي والتي عانت ليس من لوعات الزمن فحسب، بل كذلك من تجاهل وتطرف العباد والمؤسسات.

إن هذا الفن الشعبي، الفريد من نوعه، يُنظر إليه حتى يومنا هذا، من قبل أدعياء الخبرة، على أنه ليس أكثر من مجموعة رسومات غليظة الملامح، غريبة الأشكال، من صنع فنانين جهلة. من جانبهم، يرى علماء الكلام في هذه التصاوير، ما من شأنه أن يُفضي إلى « الشرك الخفي »، ما يستدعي من وجهة نظرهم، الإقصاء والنهي بالكلمة إن لم يكن بالفعل. في حين تتيح لنا الدراسات والأبحاث الحديثة اليوم، تقويم هذه الأعمال بصورة موضوعية آخذين في الاعتبار أهميتها الأنثروبولوجية. نظرا للإنكار الشديد الذي يُسببه التصوير الديني، فإن إثارة هذا الموضوع تأمل القيام بعملية تحسيس محايدة وعلمية تجاه هذه القطعة المجهولة والمنبوذة من تراثنا الثقافي.

تفيض هذه التصاوير الدينية الموعظية بعبقات الرحمة ودقائق الحكمة. كما إن تنوع لوحاتها، وطابعها الدرامي وواقعيتها النفسية، كل ذلك يبين بدقة انفصالها التام عما يمكننا تسميته بالنبرة البليدة للأسطورة. وفضلا عن وظائفها المعرفية، تمتلك هذه التصاوير وظيفة حيوية. فهي تعاشر بحميمية العقاقير الداخلة في الطقوس السحرية على غرار الحناء، البخور، الأعشاب، المعادن، الموميات، الشموع، المصابيح، العطور، كف فاطمة/الخامسة، الطلاسم، المسابيح، وغيرها من مستلزمات التعبد المرابطي الشائع في بلاد الجزائر وسائر أفريقية الشمالية. اعتبارا لما سبق، يشكل هذا الفن المنقول بحق منبعا لا ينضب للمعلومات حول تاريخ العقائد والأعراف الجزائرية والمغاربية.

إن تفكيك مرموزات كشكول الرسوم الحالية، يجعل بمقدورنا القول إن هذا الأخير مستوحى أساسا وجوهريا من الدين. لكنه في الوقت نفسه يرتكب المحظورات الفقهية، ما يضفي على هذا النوع من التعبير الفني شبهة تجعله شيئا ما هامشيا، وربما تلقي به إلى حافة المكروهية. فعلى عكس الفن الإسلامي (الرسمي) ذي النزعة الدينية الذي ينهى حسب القاعدة العامة، عن تشخيص الإنسان وكل ذي نفس حية، وذلك محاباة لحقيقة مجردة لا مرئية، فإن التصوير الشعبي لا يتورع عن مثل هذه الممارسة. يشكل هذا التباين السلوكي قفزة نوعية في قواعد الفن الديني الإسلامي، ما يترتب عنه جر الفكر إلى ما يشبه عملية تجسيد لعالم الغيب. إننا في صدد ما يُشبه مخيالا بصريا تلقائيا.

هذا المنعطف الكبير في مجال الفن، جعل في مقدور التصوير الشعبي الإفصاح عن انفصاله عن الفكر التعليمي المؤسساتي (التعليم الفقهي الرسمي) وذلك عن طريق استعماله للرسم في دلالته الخطية البدائية إلى درجة أن تمثيل وجه الإنسان في التصوير الشعبي، قد يأخذ طابعا بيانيا جلفا، متفاوت التقاطيع، يدعو أحيانا إلى السخرية. يتعلق الأمر إذن، بمدرسة فنية موازية لمدرسة الفن الإسلامي الرسمي المرتبط بتعليم الفقيه، تنبع خصائصها من فكر ورع قد يأخذ منحى تأويليا، ما يجعل الفن الشعبي في مجابهة ليس مع الفن الرسمي الدنيوي فحسب، ولكن أيضا مع الفن الديني القشري المُعارض لمبدأ التأويل والذي غالبا ما يكون متصنعا في تطريزه، مبالغا في تجريده.

يجسد فن التصوير الديني الشعبي، تعبيرا حيا عن حالة تأملية تنبع من روحانية تلقائية مثلما نجدها لدى النساء والمجانين والمنبوذين. إن هذا الفن عنصرٌ فعالٌ، فهو يعمل على تغيير محيط المؤمن وتمكينه من الاتصال المباشر بعالم الغيب، حيث يسعى الإنسان الورع بفصل هذه التصاوير، إلى مد قناة اتصال سرية وحميمية مع اللاهوت. فإذا كانت المنمنمات مستوحاة من ظاهر المقدس ذي النزعة المتشددة، فإن التصوير الشعبي مستلهم من باطنه اللين والذي يُعد التشخيص الصريح وليدا له. هكذا صار وجه الإنسان المحرم تمثيله أو المنمنم في أحسن الأحوال لدى الفن الرسمي، مشخصا بجرأة ملحوظة لدى الفن الشعبي.

في الحياة اليومية، تُعلق هذه الأيقونات على الحائط لافتراض طردها للأرواح الشريرة وتمكين سكانها من العيش في سلام ورفاه بفضل إشعاع البركة التي تصدر عنها، فضلا عن كون انفتاح العين والروح عليها، من شأنه أن يخلق جوا مقدسا يساعد على التأمل. هنا يكمن جوهر الوظيفة السحرية لهذه التصاوير التي تشكل بحق وسيلة استشفاع وحبل ارتباط مع المقدس. بالإضافة إلى ما سبق، فهي تفتح بابا غير مرئي على المطلق وتساهم في بث الطاقات الكونية.

في هذه الحال، يغدو الولي الممثل تصويرا، كأنه ملك حارس لديار الرحمة التي يحل بها. وتجدر الإشارة في هذا المقام، إلى أن الأمر لا يتعلق بإقامة شعائر على غرار ما نلحظه في طقوس التكريم الأيقوني المسيحي. فتكريم صور الأولياء يأخذ في الفضاء الإسلامي طابعا عقلانيا ولا يستلزم القيام بشعائر حركية ولا لفظية. إن التصاوير الموعظية هي بمثابة أجرام نفسانية ذات طابع تأملي محض. ومع الوقت أضحت هذه التصاوير جزءا لا يتجزء من تراثنا الثقافي، حتى وإن لم يُقدر هذا التراث حق قدره. إن فقدان التدين الشعبي لقوة جاذبيته لدى المؤمنين، يمكن أن يُفسر ولو جزئيا، هذه الظاهرة السلبية خاصة في الجزائر حيث تم تسجيل مستوى عال لمحو الأمية، ما جعل بمقدور الشعب الرجوع إلى المصادر العلمية المكتوبة. وكأن هذه التصاوير مجعولة فقط لتعليم العقول « الجاهلة ». في حين، صار هؤلاء « الجهلة » كلهم يقرأون ويكتبون اليوم، فكانت النتيجة تقهقر التصوير لصالح التجريد.

ومع انحطاط التدين المرابطي، احتل الاستدلال الفقهي محل العبادة التلقائية (الفطرية العفوية)، وبصورة عامة أدى ذلك إلى زوال حرية التأويل الروحاني للإيمان، ما أفرز احتجاب التصاوير الموعظية الكامل من محيطنا الطقسي. وهكذا تمكنت الحملة الفقهية المضادة للتصوير، من مطاردة الطقوس الشعائرية واستبدالها شيئا فشيئا، بمنظومة أخلاقية مجردة. مع ذلك، يبقى الإيمان الشعبي في الجزائر، شديد الارتكاز على مبدأ تكريم الأولياء. وما التصاوير النذرية إلا شهادة قاطعة على ذلك.

إن هذه الأيقونات الدينية الشعبية لجديرة بالاعتبار، فبقدر ما ندقق في دراستها بقدر ما نتمكن من تلذذ وتفهم عبقرية منجزيها. كما إن دراستها تتيح لنا تحصيل معرفة شمولية بالعرفان الجزائري. في هذا السياق نلاحظ باستغراب، أنه لا أحد من مؤرخي الفن أشار بالذكر إلى هذا الجانب من الثقافة الجزائرية، لا بالمدح ولا بالذم. إن هذه التصاوير التي يحجرها التطور وينبذها الإصلاح، هي في الحقيقة تعبير حتى عن ثورية التدين المرابطي الذي طالما عمل مدونو التأريخ الرسمي على قذفه وتجاهله.

يمكننا اليوم ضمن هذه التصاوير، اكتشاف ما يشبه مقاومة تشكيلية للاستعمار، وذلك دون السقوط في أي تعميم مغامر. وحسب زعم الأطروحة التي طالما كررها مدونو التأريخ الجزائري، فإن التدين الشعبي الذي تُطلق عليه تسمية « المرابطية »، كان يخدم بذهنيته « الرجعية » الإدارة الاستعمارية. بل يُعتقد أن هذه الأخيرة كانت تساند وتؤازر هذا النمط من التدين. لكن الحقيقة بعيدة كل البعد عن هذه الافتراضات المغرضة. فالتصاوير الدينية الشعبية لم تخدم بالضرورة المستعمر. بل على العكس من ذلك : كانت تثير الريبة وأحيانا تحارب من طرف المستعمر ذاته، الذي كثيرا ما كان يرى فيها أثرا لمكيدة رجعية في مقابل مشروعه « الحضاري » المصمم لجزائر مفروغ من « فرنستها ».

إن سعة انتشار هذه التصاوير خارج حدود الوطن، بالإضافة إلى اقتدارها الدعوي، أدى إلى منعها في جنوب الصحراء الكبرى. ففي منشور مؤرخ في 1908، ورد في مقال ليليان كوزينسكي حول « التصوير الشعبي في السنغال » نُشر في مجلة سويريس (عدد مايو أيار/سبتمبر أيلول 1987، ص 14) يقول الحاكم ويليام بونتي : »لا يمكننا الاستمرار في تجاهل أمر هذه التصاوير الجلفة ذات الألوان الفاقعة. إن توزيعها بآلاف النسخ يُشكل أداة للدعاية للدين الحق الوحيد، وتقديم المدافعين عنه في أحسن حلية ».

يعتبر التصوير الشعبي دليلا قاطعا على وجود نمط فني مباين للظاهرة التشكيلية الغالبة. ما يجسد هذا التباين، هو الطبيعة البدائية للأسطر، البراءة الساحرة للأشكال والعبثية المشعة للألوان. إنها « حرقة الدقة والانبهار » لفن الطليعة التي لطالما امتدحها الفنان غيوم أبوليناغ. لم يكن صانعو هذه التصاوير يكترثون بالبعد المشهدي لإبداعاتهم الفنية التي تميزها قوة البساطة، حدة المزاج، طيش الخطوط، جرأة الألوان، بهورية الأشباح، صلابة المكسر وشدة الأناقة. كما لم يكترث هؤلاء للتفاصيل شبة الهجسية ولا للإضافات الاكتمالية التي تميز فن المنمنمات. فعوض الخوض في إعداد التصاميم، يكتفي فنانو التصوير الشعبي بمواهبهم البصرية ولذتهم الإبداعية. ويكمن النجاح الكبير لهذا الفن في قدرته على تجاوز مفارقات الفن الإسلامي الرسمي الذي يعتقد أن بمقدوره جعل تصوير الغيب أمرا ممنوعا. إذا كان مشروع الفن الإسلامي هو تمثيل حقيقة لاهوتية غير مرئية، فإن مشروع الفن الشعبي هو تزويد تلك الحقيقة بركيزة مشهدية هيولانية. يضاف إلى هذا البعد التشخيصي، جملة الإرشادات الكتابية التي تلعب دورا مهما : تزيينيا وتعليميا.

يمثل التصوير الديني انتفاضة جلية وشهادة قطعية على الحيوية الروحية للمؤمن باتجاه أية محاولة تهدف إلى تقزيم الورع وحصره في مجرد آلية شعائرية. لقد طورت هذه الأيقونوغرافية منظوكة تصويرية دقيقة التفصيل، تستلفت مؤشراتها لاهوتا مكتملا يعرف تحت تسمية « المرابطية ». ويعلمنا التاريخ أن الإيمان يرتكز في أزمنة معينة، على صيغ وطقوس تعبدية غالبا ما يعتبرها المؤمن أحداثا شديدة الانطباع والالتصاق بالشعائر المتعلقة بالتدين الشعبي، حيث يعكس هذا الطراز من التدين، النظرة الرموزية للكون والإدراك الطبقي والقدساني للعالم. كما يستقطب عناصر مختلفة من مميزات المجتمع الإسلامي كتعاليم الصوفية ورسومهم، فواتح العرفانيين الكشفية وقواعد الزهاد الاعتكافية. فضلا عن الاستلهام القرآني، فإن التدين الشعبي يُظهر استلهاما أنثروبولوجيا ينجلي في تلقي الرموز والتعابير الشعبية.

إن الحقائق المعنية بعبارة « التدين الشعبي » تشير إلى مفهوم ينطوي على خبرة كونية. ويبقى قبس من التدين حاضرا في قلب كل إنسان كما في ثقافة كل شعب من الشعوب، بخاصة في إطار تعابيرها الفردية دون أن نستثني طابعها الجماعي. من هذا المنطلق، تسعى كل أمة إلى التعبير عن نظرتها الشمولية للملكوت، وإدراكها للطبيعة، للمجتمع وللتاريخ، موكلة أمرها إلى الشفعاء الدينيين حتى تحقق بعدا إنسانيا وروحانيا فائق القيم.

إن التدين الشعبي ليس ظاهرة خاصة بالثقافة الجزائرية. ففي العديد من الأقاليم التي تعيش فيها مجتمعات مكتشبعة بالقيم الإسلامية، على  اختلاف مللها ومشاربها، يبزغ إسلام شعبي تتعايش فيه بانسجام، عناصرُ منبثقة عن المعنى الروحي للحياة، عن الثقافة الأصيلة للشعب وعن الوحي القرآني.. ازدهر التصوير الشعبي وانتظم شأنه في الإسلام من دون أن يبحث لنفسه عن مبرر شرعي. فالصورة القدسانية ذات القيمة الرمزية، تشكل بحد ذاتها عنصرا للخدمة الشعائرية. فهي انعكاسٌ للغيب المحتفى به، بل إنها بمثابة حضور دائم له معروض أمام جماعة المؤمنين. إن هذه التصاوير الدينية الشعبية، هي بمثابة ترجمة أيقونوغرافية للخطاب القرآني، باعتبار الصورة وكلمة الوحي تستضيئان إحداهما بالأخرى. حيث إنه من الأصول المتبعة في هذا المجال، شرط عدم تعارض الصورة مبدئيا مع النص القرآني.

ينطبع التدين الشعبي بالواقع التاريخي والثقافي الذي يترعرع فيه، حيث تترجم هذه الميزة عبر تنوع تعابيره التي ازدهرت وتدعمت والتي تشكل إشارات كافية لتجذر حقيقي للإيمان في صفوف الشعب واندماجه في الحياة اليومية لجماعة المؤمنين. من هنا، يرتقب من التدين الشعبي أن يقوم بتنوير الإيمان انطلاقا من القلب باعتباره خلاصة لقاء الحركية الإبداعية للخطاب القرآني ومختلف العناصر المؤسسة لثقافة معينة.

على ضوء ما سبق عرضه من الأصول المبدئية، يتحتم التأكيد على كون الإيمان الشعبي يشكل حقا عنصرا للمناجاة بين العبد وربه، باعتبار هذا الإيمان شديد الجنوح والتطلع إلى أمر الله. فهو يتأثر لإحسانه، ينبهر لاقتداره وحكمته، يستلذ بجمال الخليقة ويسبح بحمد بارئها المبدع الخالق. يجهر بأن الله يأمر بفعل الخير ويرضى عمن يعيش بأمانة ويهتدي إلى الصراط المستقيم، بينما ينبذ الشر وينبري بعيدا عمن يتعمد اتباع سبيل الكراهية والعنف والظلم والبهتان.

يركز العرفان الجزائري اهتمامه بشكل خاص، على أشخاص الأولياء والصديقين. فهو يستحب سرد وقائع حياتهم اليومية في شكل الشيخ المرابط الذي لا يتوانى عن الانتفاض لنصرة الضعفاء والبؤساء، أو في شكل الحكيم الرباني الذي يعالج المرضى ويسعف المحتاجين، وكذلك في شكل المرشد الروحاني الذي ينطق بالحق ويبين طريق الله. كما يروق للإيمان الشعبي تأملُ أسرار تضحية الأنبياء والشهداء على أساس كون هذه التضحية تعبيرا عن محبة لا محدودة للبشر، وتضامن مطلق مع آلامهم وعذاباتهم.

إن محدودية ومظهرية معرفة النصوص المقدسة، ليس من قبل عامة المؤمنين فحسب، ولكن أيضا من قبل أرباب الشعائر الدينية، يجعلُ من الصعب العثورُ على المفتاح الضروري الذي يسمح بالولوج بالقلب إلى كنه البنية الباطنية للشريعة، وإلى تفكيك خطابها الرمزي. بينما يمارس انتشار الأخبار/الأحاديث غير الفقهية التي غالبا ما توصف بالأحاديث الموضوعة والتي هي غنية بقصص الخوارق والمعجزات، تأثيرا كبيرا على الأيقونوغرافية باعتبارها قادرة على استقطاب دقة المؤمنين وإثارة مخيالهم.

يحفز تأمل التصاوير الدينية الشعبية، على شكر الله لقاء لطائفه المنجزة في سير الأولياء. يتعلق الأمر إذن بالدعوة إلى اتباع خطى أحباب الله، لأنه بقدر ما شخصت أبصار الناظرين إلى هذه التصاوير، بقدر ما اشتد استذكار هؤلاء لأصحابها وثبتت الرغبة في اقتفاء آثارهم. وكأن المؤمن مطالبٌ باستنساخ ما يشاهده بعينه على صفحة قلبه. من هنا نجد أن الولي هو صورة حقيقية للإنسان المتأله الذي انقلب بفعل الروح القدس.

كما إن هذه التصاوير هي بمثابة آلة استذكار. فالشعب يتعلم دينه ويثبت إيمانه بفضل تأمل أسرار الملكوت المعبر عنها بالتصاوير وغيرها من الهياكل والتماثيل، حيث يمتلك بهذه الصفة وسائل تمكنه من استحضار عقائده وتأملها بانتظام. وبوصفه جامعا للحقائق الإلهية، حاسم الانفتاح ومخترقا للحدود المذهبية، مثل التصوير الديني حقبة من الزمن كان خلالها المنبع الخلاق للاقتدار الروحاني في الجزائر، حيث انصبغت الديانة بالجمال، بالبهجة، بشفافية الروح والإبداع، منقلبة إلى عنصر وطاقة لتحرير الفرد والمجتمع.

على رغم كل ما سبق، يتحتم التأكيد على الطابع النسبي لتكريم التصاوير في الإسلام. بالفعل فإن هذه الأخيرة غير مكرمة لذاتها وإنما لذوات من يمثلون بها. من أدل ذلك تبجل وتكرم كما يليق بمقامها، ليس لأجل الاعتقاد بحلول الألوهية بها أو التوسل بواسطتها أو الاستغاثة بشفاعتها أو الإيمان بها كما يفعل ذلك الوثنيون الذين كانوا يولون مصيرهم للأصنام، وإنما تُكرم التصاوير في الإسلام الشعبي، تكريما للنماذج الأصلية التي تمثلها.

على ضوء هذه التعاليم، يتجنب المؤمنون تلقائيا خطأ الوقوع في مقارنة التصاوير الدينية الشعبية بالشخوصات المقدسة التي يفترض أنها تمثيل لها، والتي يُراد من خلالها تكريم ذكراها. إن من شأن هذا الاحتفاء، تعزيز الإيمان وتمجيد الله وحماية هوية الشعب الثقافية، وتمكين المؤمنين من الصلاة بإلحاح وثقة يتقبلها الله حسب وعده. بفضل هذه الوسيلة تنمو محبة البارئ والقريب، وينبسط الأمل وتزدهر الحياة الروحية للأمة. وتشكل التصاوير الدينية الشعبية بطبعها، إشارات إلهية وأعمالا إبداعية، بخاصة حينما تتميز بجمال فني وسمو روحي ملحوظ. فتصير صدى لهذا الجمال الذي يصدر عن الله ويقود إلى الله. بيد أنه ليس من وظيفة الصورة في الأصل جلب المتعة الجمالية، وإنما تكمن وظيفتها المحورية في إدخال ناظرها إلى عالم الغيب. في حالة ما إذا طغى الجانب الجمالي كما يحدث في بعض الأحيان، فإن الصورة تنقلب حينئذ إلى مادة فنية أكثر منها وسيلة لتوصيل رسالة روحية.

في الجزائر، على غرار باقي بلدان المغرب الإسلامي، لا يخضع الإنتاج الأيقونوغرافي على اختلاف موضوعاته، لمقاييس صارمة مثلما هي الحال في بلاد المشرق، حيث تسري منذ قرون قوانين متبعة في هذا المجال. ولا يعني ذلك أن الإسلام المغاربي يكون قد تغاضى عن ممارسة الرقابة على إدارة التصاوير. إن الإيمان الشعبي لصيق بالتصاوير الدينية التي يتعرف المؤمنون من خلالها على عناصر من ثقافتهم الشعبية، فهم على هذا الأساس شديدو التأثر بالتصاوير الواقعية للأولياء الذين يشخصون هويتهم بسهولة، وكذا للإيحاءات التي تثيرها مختلف جوانب حياتهم المثالية.

كما يحث الاستعمال الشعائري لهذه التصاوير، المجتمع على تقديسها، بخاصة تلك التي أوقفت للتكريم الجماعي للمؤمنين في الزوايا. فالإسلام يدعو إلى الاقتداء بهدي الأولياء لأجل نيل المقام الأسمى للإنسان الكامل الذي هو مقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم. مثلما نص الإسلام على أصول خاصة بتلقي ووضع التصاوير في أماكن العبادة. فهي محرمة تحريما مطلقا في المساجد والجوامع، حيث يمنع تعليقها على الحيطان وعرضها على المؤمنين بنية العبادة.

(خنشلاوي، زعيم : التصوير الروحاني في الفلكلور الجزايري، ص 07-19)

 

6- الشعر الشعبي (الفلكلوري) عند العرب :

يلاحظ في الواقع العربي، انتشار ظاهرة الشعر الشعبي الفلكلوري الذي غالبا ما يُغنى باستعمال بعض الآلات الموسيقية التقليدية، في الموالد والمقاهي والأسواق ومشارب الشاي. وهو عادة ما يصاحب « الموال الأحمر » أو إنشاد الملاحم، و »البالاد » أو « البليانات » المأساوية لقصص العشق الشعرية، مثل : يوسف وزليخة، عزيزة ويونس، شفيقة ومتولي، حسن ونعيمة..إلخ

وكما هو معروف، تشارك أكثر من أداة موسيقية، من طبول، ورق، وساجات (الزنوج)، وتصفيق أغاني الأفراح، و »البالادا » الغنائية التي يرجح البعض أنها وضعت أصلا لتصاحب الرقص، مثلها مثل « البالاتا » الموجودة في جنوب أوروبا، والتي تعود بأصولها إلى ما قبل ألفي عام، أي منذ العصر الروماني، ولها أشكالها المختلفة لدى معظم شعوب غرب البحر الأبيض المتوسط. فبالاتا الندابات الكورسيكيات والكوروناش الغالية (من بلاد الغال)، تعتبران أهم جذور الشعر الملحمي كله..

مع ملاحظة أن هذه المواويل الدامية الشاكية، ليست وقفا على الرجال، بل إن النساء يشاركن فيها أيضا، حيث نلاحظ أن الأغاني الجماعية النسائية، في حالات حمل النساء للمياه من الترع والموارد إلى البيوت، وأغاني جمع القطن والحصاد وتنقية الدودة، والخبيز وطحن الرحى، وزفات العرائس والمطهرين، وتنظيف الوجه، والاحتفاء بعودة الحجاج بالحنين، بالموقعات الشعرية الأقرب إلى أن تكون ذات صبغة شعائرية/دينية، تعرف بالحنين أو التحنين، وهو تقليد متواجد بكثرة عند أكثر مجتمعاتنا العربية، ويصل بها إلى حد التوحد التراثي العربي.

كذلك يمكن تسجيل ظاهرة الأغاني الطقسية والموسمية المرتبطة بالاحتفالات الشعائرية الطوطمية، لأضرحة الشيوخ والأولياء.. حيث يُلاحظ أن الأنغام والإيقاعات التي عادة ما تصاحب الأغنية الشعبية الفلكلورية، تحفظ لها انتشارا أسرع وأسهل من ذلك الذي تحظى به الحكايات. بل إن الحدود الوطنية والقومية واللغوية، لا تشكل حواجز تستعصي على العبور، بالنسبة لكل من الشعر والإيقاع، أو الألحان الموسيقية. وعادة ما يكون أسلوب الأغنية الفلكلورية أميل إلى البساطة، وأقرب إلى أسلوب المربعات/الرباعيات الشائع بكثرة في المشرق العربي كما في المنطقة المغاربية. ولدينا شواهد على أن السخرية في هذه الأغاني، باقتحامها للطابوهات والضغوط السياسية، كانت عنيفة مما دعا السلطات إلى وقفها ومنعها، بل وصل الأمر إلى حد فرض الغرامات على من يغنونها أو وضعهم في السجن. ومن بين أنواع هذه الأغاني، نجد أغاني الجندية والسجن، ومأثوراتها متعددة خاصة في سورية وفلسطين.. وبشكل عام، يمكن القول إن الأغاني الدينية تستوي مع الأغاني السياسية، في أنها تزدهر في فترات الحماس الروحي فحسب، كفترة حركة الفرانسيسكان في إيطاليا أثناء القرن الثالث عشر الميلادي، وحركة البروتستانت في ألمانيا أثناء حرب الثلاثين في الغرب، بالإضافة إلى الثورة العرابية في مصر، والثورة المهدية المعاصرة لها في السودان، ورشيد عالي الكيلاني في العراق.

وبالنسبة لحركة البروتستانت، نجد أن جميع مؤلفي أغانيها الدينية معروفون لنا، وكذلك الشأن في ما يتصل بالظروف التي أنشأت كل قصيدة مفردة منها. ولم يحل ذلك كله دون أن تصبح هذه الأغاني الدينية، أغاني فلكلورية أصيلة. وبعض هذه الأغاني الدينية أعمالٌ كبيرةٌ من الناحية الفنية الخالصة. وينبغي أن نضيف إلى ما سبق أن القليل النادر من الأغاني الدينية والجنائزية، يستطيع أن يزهو بألحانه المبتكرة غير المسبوقة.. ويمكن القول إن مؤلف الأغنية الفلكلورية فردٌ، بمعنى أ، الذي وضعها أول أمرها كان فردا واحدا، أديبا شعبيا مغمورا في بعض الأحيان، أو رجلا من العامة ظل اسمه مغمورا يطويه الغموض.

وقد يرجع تأليفها إلى الارتجال، لكن ذلك ليس شرطا دائما. ثم إن الأغنية الفلكلورية جماعية، أي إن نصها لا يثبت دائما على حال واحدة، بل تطرأ عليه تحويراتٌ، تعديلاتٌ وإضافات، عبر هجراتها وتواترها زمانا ومكانا. ثم إنها جماعية من حيث إن بعض أنواعها، ومنها أغاني الرمي والهجاء الانتقادية، يضعها مؤلفون متعددون، يضيف كلٌ منهم مقطعا أو أكثر. وفي الإمكان هنا، الربط بين الإيقاع والألحان والغنائيات المصاحبة للشعر الفلكلوري/الشعبي بصفة عامة، وما ينتظم تحته من تفريعات، ما بين أغاني وأهازيج أشهر الحمل التسعة، والولادة، والطهور، ومراسم الزواج، ثم الانتهاء باللحد عند مراسم الموت والجنازة، بالإضافة إلى حالات السقوط من قمة السلطة والعز، إلى هاوية الفاقة والامتهان. ويحفل الفلكلور العربي هنا بآلاف النماذج، سواء في ما يتصل بهذه الأشعار، خاصة جانبها الدامي الميلودرامي/الموال الأحمر، أو القصص والملاحم، منها : أيوب وزوجته ناعسة وبلاؤه، والملك معروف، والملك الأسد، وعبيد الغالبة، حين زالت عنهم الدنيا والنعمة والجاه، فتهاووا من قمة السلطة إلى حضيض الفاقة والعوز والإهانة. في هذا الإطار، اعتبر بعض الباحثين أن الفلكلور علمٌ بيولوجي، طالما أن موضوعاته واهتماماته هي دراسة الإنسان بوصفه كائنا بيولوجيا حيا. (عبد الحكيم، شوقي : الشعر الشعبي الفلكلوري عند العرب، ص 06-13)

 

7- أغاني التخمير الصوفية والمخاواة في الفلكلور العربي (المشرقي) :

يُلاحظ على الآداب الدينية والشعائرية الشعبية في المشرق العربي بوجه عام، والصوفية منها بوجه خاص، أن جمهورها يتكون أساسا من الحرفيين والفلاحين المرتبطين بالأرض والزرع. ومن العمال الزراعيين والأجراء وأفراد الطبقات الاجتماعية السفلى، من يتخذ طريقة مباشرة إلى الطرق الصوفية وحلقات الذكر والأوراد وجلسات التخمير والمخاواة (الزواج بين الإنس والجن)، بما يمكن أن يشكل أحد ظواهر الشعائر أو الطقوس الهامشية الأقرب إلى أن تصبح شعائر تجميع، تنتهي بالقطع إلى مدلولات سياسية.

ويُلاحظ أيضا في هذا الصدد أن المصابين بعشق المخاواة، يميلون إلى حفظ الأغاني والمأثورات والأهازيج الدينية التي تُعرف بأغاني التخمير (اشتقاق من الخمر، وهي تعبير رمزي عن مضمون العرفان الصوفي/المعرفة الروحانية الصوفية). وهم عادة ما يقيمون فرادى أو عزابا في أماكن مظلمة/لم تدخلها الكهرباء بعد. مم ملاحظة أن المخاواة ليست مقصورة على الشخص الأعزب، بل إنها تلاحق المتزوجين أيضا، وعادة ما تتسبب في الطلاق والانفصال أو في نشوب صراع بين الزوجة الجنية والزوجة الإنسية، حيث تكون الجنية/المخاوية ساكنة تحت الأرض أو في أعماق البحار. ونجد فعلا في ملفات المحاكم الشرعية، آلاف الحالات التي يرد فيها ذكر الزوجة الجنية/المخاوية، باسمها وصفاتها. كما أن من سمات الذين يعيشون هذا العشق الإنسي للجنية (أو العكس) ارتباطهم أكثر بعوالم الغيب وفضاءات الحضرة والذكر الصوفي. ووجدنا الكثير من الشعراء الشعبيين في المشرق كما في المغرب، يتحدثون عن هذا العشق ويصفون تفاصيل علاقتهم به ومعاناتهم له..

يتغنى الشعر الشعبي عادة بالله تعالى والنبي محمد صلى الله عليه وسلم وجماله الجسدي ومعجزاته وأهل البيت (علي وفاطمة والحسن والحسين)، وأيضا بالصحابة والتابعين والأولياء والصالحين. ومن ذلك النماذج التالية/ بعضها رباعيات، في مدح النبي صلى الله عليه وسلم :

 

من معجزات النبي باض اليمام على العز

والورد فتح كرامه للنبي المختار

وابو حلاوة ينادي كل دار بدار

من كان ضمينة النبي لم شق جسمه نار

 

يا اللي أنت عيان مالكشي مش ويانا

قوم حوش مطاياك لا تعدي مطايانا

وسر تربة بني زين بعيون محلانا

ما مزين الركب إلا بكرتي وآنه

 

السيد اللي من الشباك مد ايده

من بلاد الكفر جاب الأسير بحديده

في أول الليل يقرا الورد ويعيده

وفي آخر الليل يسلم ع النبي بيده

 

فز العليل من منامه ما لقيش حد جنبه

ما بو جروحو وما بو طفل سهران به

دا كان معاه على طول الزمان كالبو

ما بو جروحاتو وما بو الطفل سهران به

 

يا اللي ناديتوني أديني جيت

وسر تربة نبي طيبة والحرم والبيت

تخلي نفسك معانا إن رحت ولا جيت

 

دخل العريس ع العروسة استعجبم يا ناس

حملت العروسة من العريس استعجبم يا ناس

لقوا العروسة الجلالة والعريس كلمة الإخلاص

 

في هذا المقطع الأخير يلاحظ توحد العريس (الله/الجلالة) بالعروسة (كلمة الإخلاص/التوحيد) في رمزية عاطفية/غرامية جميلة. وتبين لنا مثل هذه المأثورات الشعبية،كيف أن كثيرا من القتلة وقطاع الطرق واللصوص، تابوا من أفعالهم وأصبحوا بين عشية وضحاها من مريدي الطريقة وجلساء الأنبياء والأولياء، وذلك مصداقٌ للحديث النبوي الشريف الصحيح الذي يحكي قصة رجل قتل تسعا تسعين نفسا ثم ندم على فعله وذهب يبحث عن عالم ليسأله هل له من توبه ؟ فوجد راهبا فسأله، فقال له « ليست لك توبة »، فقتله وأتم به مئة. ثم ذهب يبحث عن عالم ليسأله، فوجد عالما وسأله هل له من توبه، قال نعم، ولكن عليك أن تترك الأرض التي أنت فيها، إلى أرض أخرى وتغير الرفاق الذين أنت معهم إلى رفاق آخرين. فرحل الرجل وخرج من بلده بنية التوبة، وفي الطريق أدركه الأجل، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، من تأخذ روحه ؟ كانت ملائكة العذاب تقول إنه قتل مئة نفس، وكانت ملائكة العذاب تقول إنه تاب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. فأرسل الله تعالى ملكا ليحكم بينهم. فقال الملك المرسل : قيسوا ما بين بلده والبلد التي كان ذاهبا إليها، فمن وجدتموه أقرب إليهم فهم منهم ومعهم. وكان أهل بلده أهل سوء، وأهل البلد التي كان ذاهبا إليها أهل خير. فلما قاسوا المسافة، وجدوا المسافة التي بينه وبين بلده الأصلي، أكبر بشبر واحد من المسافة بينه وبين البلد التي كان قاصدا أليها، أي إنه كان أقرب إلى أهل الخير. وفي رواية إنه عندما سقط على الأرض وعلم أن أجله حان، زحف بصدره مقدار شبر نحو البلد التي كان قاصدا إليها. فصعدت بروحه ملائكة الرحمة :

قولي على ناس حرامية وناس نشالين

يقتحمو في الضبب والناس غفلانين

إن كنت ولد شاطر، تعرف الألف من الميم

هات لي خبر دول واللي حارسهم مين

حارسهم الخضر وإلياس ومُرسي أبو العباس

وف جنة الخلد قاسو لهم الرجال فدادين

 

يا اللي غاوي الطريق إيش عليك م الناس

عمك شديد العزايم يعرفوه الناس

خطر النبي الزين في وادي اليمن جمعه

ولربعة اللي اصطفاهم ربنا جمعا

قاللو تعالى يا علي صلي بنا الجمعة

ما سجد علي والصحابة ساجدين وراه

ياما أسلمت كمنه على يد النبي جمعا

 

وتصاحب الأناشيد الدينية دقات الدفوف العنيفة أو « الطار »، ويهتز على وقعها الرجال ذات اليمين وذات الشمال، في ما يُعرف عند الصوفية بالوجد أو التواجد،كما في حالات الأذكار وجلسات التحضير والتخمير والزار (حضرة خاصة بشفاء المرضى) وإنشاد وتلاوة النصوص الشعائرية بصفة عامة. ويحدث ذلك بالشكل التالي :

يقف واحدٌ أمام الصف/السطر، ويأخذ في الإنشاد والترتيل، ويكون أحيانا ممسكا بعصا من الحديد أو النحاس وسبحة كهرمان، ويوقع كلامه من خلال طرق السبحة بالعصا. والملفت أن هذه العملية البسيطة تُحدث ألحانا وإيقاعات جميلة ولطيفة على الوقع على السمع. وغالبا ما يكون مع المنشد صبيان، صوتهما جميل، يقومان بدور الكورال (الخماسة) فيرددان مقاطع النشيد. ويُلاحظ أيضا أن أغلب الأناشيد الدينية في المشرق العربي تتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وجماله الجسدي ومعجزاته وأهل بيته وأقاربه وكل ما اتصل به من قريب أو بعيد. وأحيانا توغل بعض الأشعار والأناشيد الصوفية الشعبية في الوصف الجسدي للنبي، حيث تصف مثلا « عيونه الكحيلة » و »خده المنور »، كما في المقاطع التالية :

 

ليه يا ولاد النبي تهجروني، وأنا الغالي

وترخصوا السعر وتنادوا الدلالي

كنتوا اعلموني وأنا لسه على حالي

دلال دلل عليه، واعلم الشاري

دا القول ع اللي عبد سيده باعه

ولا هوش بالخبر داري

داري على بلوتك يا اللي ابتليت داري

ليشيع خبرك ويبقا بو العزول داري

ما فقت من منامي لما لقيت روحي

مع الدلال والشاري

دخلت ديوان الإمارة يا أم هاشم

بسأل عن حالي..

لقبت عروس القيامة هناك بالقدح مالي

خمار أتى في الدجى بالليل وأنا مالي

محبكم عبدكم، تهجروه ليه.. من غير عيب

هوا ماله ؟

وان كان عاب عيبه يا كرام الحي سامحوله

واتلطفوا ولو بالعين نظرا له

وان كان عيان « يا أم هاشم » ابعتيلو مطية

تنقل أحماله.

 

والمقصود بأم هاشم في المقطع السابق، السيدة زينب أخت الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب، ولها مقامان شهيران يُزاران : واحدٌ في القاهرة والآخر في ضاحية دمشق، وجديرٌ بالذكر أنه يُقام لها مولدٌ شعبي عظيم كل سنة في مصر، تحضره الطرق الصوفية وأتباعها ومريدوها بالإضافة إلى عامة الناس وخاصة الفقراء والمساكين. وهذا مقطع آخر في السياق نفسه :

يا اللي رأيتوا النبي.. وازي وصفاته

وكيف علم النبوة بين كتافاته

أنا بامدح اللي ولدته آمنة وبصت فيه

كامل مكمل، وعلامة النبوة فيه

خُدي حبيبي يا حليمة، وضنايا ونور عيني

خُدي النبي غطيه..

وأوعي يا حليمة من عيون الحاسدين توريه

إزاي نور النبي أوريه، وأنا اللي قصدي

ومرادي.. وشوقي فيه

وحق من أوجد علامة النبوة فيه

أنا بروحي.. وجسمي.. ومالي.. وأولادي

للنبي أفديه.

 

وعادة ما يردُ ذكرُ المرضعة « حليمة » في هذه المأثورات الطقسية بكثرة، كما في المقطع التالي الذي يُبرز ما يُعرف عند الصوفية بـ »الحقيقة المحمدية » أو « النور المحمدي الأزلي » الذي كان موجودا قبل أن يكون آدم، بل حتى قبل أن يكون الكون نفسه والمخلوقات كلها بما فيها العرشُ والقلم. فمن هذا « النور المحمدي » أو من تلك « الحقيقة المحمدية » وُجد العالم والكون كله :

قالت حليمة : أنا شفت النبي في النوم

بعيون كحيلة وخدود نداها عوم

كشفت حليمة على خد النبي نور

لقيت عمود نور لسابع سما نور

فرحت حليمة وقالت :

آدي اللي عليه الناس بتدور

ولولاك يا زين، ما كان القمر نور

دي أمينة أم النبي تقول :

يا حليمة خدي النبي وأوعيه

اسقيه لبن الرضاعة يا حليمة

اوعي تفرطي فيه

واحنا الجماعة، كلنا أمة النبي

يوم القيامة نلنا الشفاعة بيه.

 

وهذه قصيدة مشرقية شعبية/فصيحة، هي مزيجٌ من الفصحى والعامية، في مدح النبي صلى الله عليه وسلم. ويلاحظ على هذه القصيدة اضطرابٌ في الوزن والقافية في بعض الأبيات :

 

مرادي وقصدي واعتقادي ونيتي

في مدح رسول الله خير البرية

نبيا رأته الشمس حسنا تعجبت

ومسكنه الفردوس أشرف جنة

نبيا رأته الشمس حسنا تعجبت

قالت له : أنت من أنهو قبيلة ؟

فقال لها : ربي من النور سقاني

قالت له الشمس : يا حبيبي، أنت مرادي وبغيتي

قالت : ما الاسم يا حبيبي ؟ قال : محمد

شفيعا لمن صلى عليه وسلم

دا آدم من نور، وفي الأصل طينة

هنيئا لعين شهدت أرض مكة

وطافت ببت الله سبعا ولبت

وفي حجر إسماعيل صلت وركعت

وفي زمزم اتزمزمت وأنعمت

على عرفات يجمع الله شملنا

أقمنا ثلاث أيام على منى

ورابع يوم أملانا برجعة

ودخلت من بيت السلام مسلما

على المصطفى الهادي ونفرح بالبشرى

قول جيت لك يا رسول الله قاصدا

تكن لي شفيعا يا أجل الورى كرما

مقامك محمودٌ وأنت محمدٌ

رب العطا عطاك حوضا وكوثرا

ندرن عليه إن وصلت البيت لمقام النبي

لأمرغ الخدين على العتاب

وأقول : يا عين يا عين يا عين.. عين عين

السلام عليكم والمنام حرام، ومن فارق الأحباب كيف ينام

والله ما كان الفراق بخاطري

لكن هذه حكمة الأيام

تغربت في الدنيا وطالت غربتي

يا حزني على الدنيا لموت غريبا

لكن يا قلبي لا تحزن ولا تخف

لأن حبيب الله مات غريبا

الشمس تطلع كل يوم وتغيب

والليل يجمع كل شمل حبيب

ويكون شيال نعشي أخويا ابن والدي

يبكي بدمع العين دم صديد.. مدد.. مدد.

 

ومن أغاني التخمير الصوفية الشعبية المشرقية، القصيدة التالية :

 

عروسة السهران من على الأدنات بتلالي

تقول صجر رماني طاب في الجنة

صجر رماني طاب يا عاشق الزين تعالالي

وحياة جمال النبي أبو مقام غالي

ما يقطف الزهر في الجنة إلا التايب الغالي.

 

عروسة النوام بتيجي بالليل وتقولو

أنت عطيت إيه، تنام الليل دا كله

وحياة نبي زين يفك الكرب يحله

ما شفت نوام يجيله الخير لمحله.

 

عروسة النوام ماسكه الطار بجناحه

تقول حبيبي تبع النوم والراحة

طفي سراجي، وآدي المصابيح فضاحه

ما شفت نوام ينول الخير بالراحة

 

يا عم ياللي أنت عيان، وعاوز يطيب بلاك (أي مرضك أو مصيبتك)

اسعى على ركب نور النبي، قبل ما يسير

الرجال بلاك (أي من دونك أو قبلك)

والقطب عازم مهوش راضي يسير بلاك

نادي على الربعه، ياللي أنت لهم محتاج

أربع سلاطين ودول لابسين التاج

أنا ناديت يا رفاعي يا بحرها اللجاج (الولي الصالح سيدي أحمد الرفاعي)

فرع الدسوقي، وأبا صالح، وأبا فراج

وحياة جمال النبي كلنا ع الباب

 

بكيت المساجد وقالت راحوا فين جلاسنا

لما المصلي قعد في البيت وناسنا

دا الراجل اللي يقيم الليل بهسانه

ما داخلشي النار ولا نانه..

 

يقول جمهور الأغاني الصوفية في المشرق العربي: « إن التوحيد والتخمير يحبه الجن، وإن ما يُحركُ الإنسان ويجعله يتلوى لحظة حضور العفريت أو الجني اللي عليه، هو جمال الصوت وخصوبته وعمقه ». وتقال أغلب تلك الأغاني مصحوبة بدقات الدفوف المجنونة. ويرقصُ على دقاتها « من عليهم أسيادٌ من الجن ». يقول الباحث شوقي عبد الحكيم : « وعندما استمعتُ إلى تلك الأغاني عند مصادرها، أي عندما يغنيها أصحابها، أحسستُ بأنها تهز أعصاب المرء فعلا، فهي تُلحن بطريقة قوية، والرجل الذي كان يقولها وهو شيخٌ عجوز، له لحية بيضاء، ويرتدي « أبيض في أبيض » وعندما سألته عن سبب ذلك قال : « أصل الأسيد، وولاد الجن، بيحبوا اللون الأبيض ».

ومن تلك الأغاني أيضا :

يا قطب جينا الحما ننظر كراماتك

يا قطب دا احنا رعيه من رعياتك

واذا كنا تلفنا بضايع من بضاعاتك

الذنب يُغفر، لكن الصفح عاداتك.

 

الراجل اللي على اللوح مطروح

يقول للروح واقفه ليه مطروح

وحياة نبي زين

راحت له الناس مشروحي.

وفي الأغنية الصوفية التالية، يتضح مدى التداخل، ويمكن القول التوارث، ما بين التراثين القبطي المسيحي، والإسلامي الصوفي. ذلك أن الأغنية هنا، تتبدى كحوار ديني صوفي روحاني عاطفي، بين المريد وبين ذلك الرمز للإلهة الأنثى التي يتغنون بها، مرة تحت اسم أو شعار أو رمز « عروسة الزار »، و »عروسة السهران »، و »ليلى » أو « الليليث » أو « حواء الأولى ». ومرة كما يتضح من النص التالي، يدعونها « حنونة بنت سمعان »، التي بيدها مفاتيح الأديرة و »المعنات » والحكمة.

وينتهي الحوار بين المريد و »حنونة بنت سمعان »، بإعلان المريد بأنه عاشق للنبي صاحب العلامات :

مضى شبابي ولاح فجري وليلي فات

والعمر مني انقضى، حتى الشباب أهو فات

أنا إن عشت متين سنة، أو ألف أو ألفات

لا بد عن الموت واتعاقب على اللي فات.

مالك بفعل المعاصي ياللي شبابك فات

دا القبر ضيق وفيه ملكين كالآفات

وأنا لدني أدندن بكي يا جلالة لما يقولوا مات

وارقص على ذكرها واسأل بها العلامات

واشرب مُدام كرقفي من نور عين الذات

يا بنت سمعان يا حنونة خشي الدير حنانات

وافتحي باب الدير وفرجيني على المعنات

وافتحي باب الدير، وفرجيني على  السادات

قالت حنونة بنت سمعان :

وانت فين يا اللي تنادي في دجى الليالي

على القدمات ؟

قلتلها : أنا مغرم وعاشق في النبي صاحب العلمات. (العلامات)

 

أقدام حبيبي من قيام الليل وارمة

وبطن النبي ما حوت غل ولا دغلا

فم النبي كالسكر الحليان..

دا السكر انطرب، قالوا الرجال يا سلام.

ما توبة إلا بعد معصية يا إخوان

اللي عشق النبي عدى على الجنة

مدح في جمال النبي ما توحدوه يا اخوان.

والأغاني الصوفية، لا تتعدى الحديث عن الضعف الإنساني، وحاجة المخلوق إلى الخالق. ثم تربط كل هذا بالخير والراحة اللذان ينشدهما الإنسان في نهاية المطاف في الجنة. وهي في سبيل ذلك، تسترحم وتستعطف الأقطاب الأربعة والأولياء وجميع المقربين من الله. فهي طريقة من طرق التغيير والتقرب من الله لدخول الجنة.

وفي أغاني المديح والأناشيد الصوفية، ينشط الخيال الديني، ليصور النبي « اللي تسلم عليه الشمس كل صباح » كما في النص التالي :

مر النبي يوم ع المبالي، عطى لكل جرح دواه

فيه من نظر له النبي شفي وفيه من نظر له تاه

وفيه من اللي اتوسم بنور المصطفى

وفيه من عمل حشيش الجبال مأواه

ولد نادى عمه، وعمه من بعيد ناداه

قالو : كنت فين با مريد النبي، يا اللي عليك بنداه ؟

قالوا : طفنا الجبال يا بدوي والمطرح المخيف رضاه

سرح مسارح بعيدة، لكن صانعه القديم لم تاه

وزرنا الحرم والبيت، وجبنا ورد

من على خد طه النبي بنداه.

 

لما جرحتني يا ليلي، فيتني هناك عيان على مين ؟

بكره تأتي السفينة، تربط هناك ع المين

يبقى الحرب في البهنسة، واهل الحجاز عالمين

ولما دعانا الغرام فتنا الوطن وبلينا

ولما قابلنا النبي ردت أرواحنا فينا

قعدنا نريح البدن، بان التعب لينا

الله يعلم بظاهرنا وخافينا.

 

من العصر للعصر، أنا رأيت الندى نازل

على السهارى، وخلى البال في النازل

صجر (شجر) الجلالة من التوحيد بيتمايل

اكمنه لا قطعة زنديق ولا مايل

ما اقطفه إلا راجل سهر جتي..

يوم العبادة في دجى الليل هايم

وفي جنة الخلد لو درجات ومنازل.

 

يا أهل بيت النبي دا انا خدام في واديكم

طمعان في نظرة رضا ليا العشم فيكم

أنتو رجال الحمى طالت أياديكم

تاخدم بيد العيان اللي احتمى فيكم.

 

يا اللي نازل البحر حرص.. دا البحر دا فيه عين

عين الحقيقة عين.. وعين الشريعة عين

وعين اللي لا تراها العين.

 

لما جالوك صدف ركب لوليه

وجال يا تجالي، حرام يا مضاجع النوم

ما تنوم النبي جاني

طريق النبي نور في نور، ولين في لين

وشبعانه من الأدب، ولها حضور من اللولي

وعتبة الديوان من دهب

وجالها حيرصنجي العناية.. ينادي

ويقول جاي يا تجالي

الأرض دي اللي كرسيها نور بتوجد فين ؟

أنتو خطرتوا بها يا عرب، والا نظر بالعين

أنا نزلت من عين، وارسلني الإله من عين

وانزلت أوحد مهيمن لا تراه العين

في الأصل هي عين، ونبع م العين

تسعة وتسعين عين

ولما شفت نور جمال النبي غرقت من همز رمز العين

دا النبي بحر العلوم يا دلال

النبي يتكلم بشرح العلمين

علم الحقيقة، وعلم الشريعة لتنين.

 

وتقال الأغاني الصوفية في الأذكار/جلسات الذكر. أما أغاني التخمير فتقال في جلسات تحضير الأرواح التي تعتبر أقرب إلى الممارسات السحرية منها إلى التصوف، وهي المعروفة بجلسات « تحضير الأسياد والجن » والزار، عند العامة ، حيث يطلقون على الجني والعفريت لقب « سيدي » ولا يذكرون اسمه إلا مسبوقا بعبارة « الله يجعلهم راضيين علينا ». وهناك تقاليد طويلة تتبع مع أولاد الجن، فمثلا عندما يتعثر إنسان فيسقط على الأرض، لا بد وأن يفاجئه من يراه بقوله : « حوش اللي وقع منك ». وذلك لكي يربكه ويطرد عنه الخوف. فمن الشائع أن « اللي يخاف من عفريت ينط يركبه ». وعندما يلقي إنسان بحجر على الأرض، فعليه أن يسبق ذلك بقوله : »بسم الله الرحمن الرحيم » وذلك حتى لا يبطح جنيا، فيؤذيه الجني أو يركبه. ومن النصوص الخاصة بما سبق :

يا اللي ناديتوني، أديني جيت

وسر تربة بني طيبة والحرم والبيت

تخلي حسك معانا إن رحت والا جيت

دي ليلى دي ليلى دي ليلى.

 

يا عروسة الزار يا عوام

يا بنت الزار يا عوام

قدامه حمرة وعيان

ست البحور يا عوامه

تمشي الأرض بلا علام

وتعوم في الميه بلا علام

يا بنت الزار يا عوام

تمشي على الميه بلا علام

يا بنت الزار غالية المقام يا عوام

يا عروسة الزار يا عوام.

 

ناديتهم نادوني

عدو البحور وجوني.

 

الحلوه دي جاية جاية بتلعب ع المية

يا ما هم حلوين وجونا.

 

سلاسل الموعظة مرجانها الإخلاص

معنا عابد في الجبل سموه رجال النبي حرامي

يسرق بضايع الناس

صبح مجالس رجال النبي ويخدموا جنلن ناس

دخل العريس ع العروسة استعجبم يا ناس

حملت العروسة من العريس استعجبم يا ناس

لقوا العروسة الجلالة والعريس كلمة الإخلاص.

 

القول على ناس حراميه وناس نشالين

يلألام في الضبب والناس غفلانين

إن كنت ولد فهلوي وتعرف الألف م الميم

هات خبر دول اللي حارسهم مين

حارسهم الخضر وإلياس والمرسي أبو العباس

وف جنة الخلد قاسولوا الرجال فدادين.

 

ليلى عجبها النغم صارت مغنية

عرجا وتمشي على قبقاب محنية

كخة وتنسج محارم الأفندية

أنا قعدت وراها أعقد النية

صحت صلاتي وصارت قبلتي هيه.

يا للي غاوي الطريق واش عليك من الناس

عمك شديد العزايم يعرفوه الناس.

(عبد الحكيم، شوقي : الشعر الشعبي الفلكلوري عند العرب، ص 142-161)

 

 

8 ـ ارتباط الشعر الملحون بالسماع وتوظيفهما في نشر التعليم الصوفي:

 

دأب الصوفية في الجزائر وبلاد المغرب عموما على تذوق الموسيقى وممارسة السماع الذي ارتبط بالشعر الشعبي (الملحون) ارتباطا عضويا حيث كان بعض شعراء الملحون متخصصين في مدح بعض الأولياء من الأقطاب أو من مؤسسي الطرق الصوفية الكبرى. ونذكر من بين هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر : الشيخ عبد القادر بن طبجي دفين مستغانم ومداح سيدي عبد القادر الجيلاني (له ديوان مطبوع). ومن بين أشهر القصائد التي كتبها في مدحه « عبد القادر يا بوعلام ضاق الحال علي » التي غناها كثيرون وحرفوا مضمونها. ومن الواضح في هذا السياق أن الشعر الملحون لا معنى لوجوده إذا لم يتحول إلى أغان ومدائح. ومن هنا كان شيوخ الصوفية يؤكدون على ضرورة صياغة تعاليمهم وتوجيهاتهم ووجدانياتهم في شكل قصائد من الشعر الملحون سواء بأنفسهم (كما هي حال الشيخ سيدي أحمد بن مصطفى العلوي المستغانمي مؤسس الطريقة العلوية والذي له ديوان شعر مطبوع أغلبه من الملحون) أو الذين كان لهم شعراء ينتسبون إلى طرقهم ويصوغون تعاليمهم شعرا ويمدحونهم كما هي حال مولاي إدريس بن دريس شاعر ومداح سيدي محمد بن عيسى الملقب بالشيخ الكامل مؤسس الطريقة العيساوية دفين مكناس، إضافة شعراء الطريقة العيساوية في الجزائر.

وقد فهم شيوخ وأقطاب الصوفية في المنطقة المغاربية منذ زمن بعيد أن الشعر الملحون هو أثقل وزنا وأكثر رسوخا في أذهان العامة الذين شكلوا وما يزالون يشكلون أغلبية أتباعهم. وفهم هؤلاء الشيوخ أيضا أن هذا الشعر لا يمكن أن يرسخ في أذهان العامة إذا لم يغن. ومن هنا جاءت العلاقة العضوية المتينة بين شيوخ وأقطاب التصوف وبين شعراء الملحون. ولا يعني ذلك أن شعراء الملحون كانوا عاجزين عن نظم الشعر الفصيح ولكنهم كانوا ينظمون الملحون أكثر من الفصيح (سيدي قدور العلمي نموذجا) لأنه أكثر وأسرع انتشارا وأكبر أثرا وبالتالي أكثر فاعلية في توصيل الرسالة الصوفية.

ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار ظاهرة (المداح) اختراقًا فنيا للمجتمع من طرف الصوفية، أو بتعبير آخر توظيفا للفن كوسيلة لتحريك الخطاب الديني الصوفي على مستوى الطبقات الاجتماعية المختلفة وخاصة البسيطة منها.ولهذا نلاحظ أن العديد من شعراء الملحون من الصوفية كان باستطاعتهم نظم الشعر الفصيح على الأوزان الخليلية التقليدية، غير أن ذلك لم يكن ليحقق لهم الهدف الذي يقصدونه من النظم، لأن شعرهم في هذه الحالة لن يكون في متناول الأغلبية ولن تفهمه سوى النخبة الذي تمثل الأقلية داخل المجتمع.

ومن المعروف أن ثنائية (الطالب) و (المدّاح) هي التي تقف في النهاية من وراء ظهور ما يعرف اليوم بالفن الشعبي أو الغناء الشعبي الجزائري، حيث أن مدرسة الشعبي ما هي إلا امتداد لظاهرة المدّاح المنطلقة أساسا من الفضاءات الصوفية المتمثلة في الزوايا.فالمدّاح من جانب المضمون كان يمدح عن الله تعالى،وعلاقة الانسان به من حيث الطاعة و المعصية والاستغفار بما يشمل جميع الانشغالات السلوكية الصوفية، ويمدح أيضا عن الرسول علية الصلاة والسلام، والصحابة رضي الله عنهم،والأولياء والصالحين،إضافة إلى أيام وغزوات العرب.

وإذا كان بعض شعراء الملحون لم يشتهروا بانتسابهم لطريقة صوفية معينة (ومن بينهم محمد بن مسايب) فإن ذلك لم يمنعهم من كتابة عشرات القصائد الصوفية بل إن العديد من قصائدهم  التي يصنفها بعض الدارسين في خانة « الغراميات » أو « الهزليات » هي في الواقع قصائد « جدية » وصوفية أيضا. وسنتعرض فيما يلي من هذه الدراسة للعديد من النماذج في هذا الإطار.

وإذا كان الشعر الملحون قد ارتبط عند الصوفية بمسألة السماع أو الغناء والموسيقى ارتباطا عضويا، فإن ذلك نابع أصلا من كون الصوفية منذ القديم يستشعرون الحرية في التعامل مع المسألة الفقهية بحيث لم تكن لديهم أية مشكلة في هذا المجال بل إنهم كانوا دوما يحبّذون السماع ـ الموسيقى والغناء ـ حيث اعتبروه من العلوم التي تجمع بين المعاملة والمكاشفة ونقلوا جوازه عن بعض العلماء والعارفين امثال أبي مدين شعيب بن الحسن الأندلسي،دفين تلمسان،و أبي القاسم الجموعي و أبي الحسن الشاذلي والشطيبي وغيرهم، فقد أخبر محمّد بن سليمان عن جواز سماع الموسيقى للصوفي الحقيقي، و أخبر أن شيخه موسى بن علي اللّالتي كان حسن الإنشاد و أنّه إذا أسمع و أنشد يكاد قلب السامع من تأثيره ينفطر وينهدّ، و أن شيخه كان يقول  » ورثنا هذا المقام عن داود عليه السلام » (4).

و بعد حوالي قرن، فصل الورتلاني في هذه القضية ، فهو كرجل من اهل التصوف أباح استعمال الموسيقى والإنشاد لأهل التصوف، ومنعه عن غيرهم لأنه يؤدّي في نظره إلى الاختلاط والفساد..فالغناء في نظره دواء لأهل العشق الصوفي، ولكنه وسيلة من وسائل الشيطان لغيرهم..وهو يعني بأهل العشق الصوفي أصحاب الحضرة الصوفية » (5).

و هناك من الفقهاء غير الصوفية من كان يتذوّق الموسيقى في ذاتها ويحلو له الإنشاد وسماع آلات الطرب..فقد روي عن عبد الواحد الونشرسي (وهو لسخرية القدر ابن أحمد الونشريسي الفقيه المتشدّد في موضوع الغناء والموسيقى) أنّه كانت له أزجال و موشّحات و كان رقيق الطبع يهتز عند سماع الألحان وآلات الطرب،لاعتدال مزاجه وقوام طبعه…( 6)

و اخبر ابن حمادوش في رحلته أنه يعلم علوما شتّى من بينها علم الموسيقى الذي قال إنه تعلّمه بطريق الإجازة.وفي (الرحلة القمرية) لابن زرفة أنّه قد ورد على الباي محمّد الكبير عالمان حنفيان من مليانة، أحدهما مفتي البلدة والثاني فقيه، و أن كليهما كانا من الموسيقيّين المهرة.و قد عرفنا من حياة المفتي أحمد بن عمّار أن بعض علماء مدينة الجزائر،وهو منهم، كانوا يصوغون الموشّحات المولدية ونحوها وينشدونها في المولد النبوي بالألحان المطربة.وتذكر المصادر ان الفقيه محمّد القوجيلي قد استأذنه أحد علماء تونس في سماع الموسيقى فأجابه بقوله : كلّ ذي كرم من شأنه الطرب. (7) ويذكر الورتلاني أن الشيخ علي المهاجري كان عازفا مشهورا على المزمار بلغ الغاية في صنعته حتى أصبح الناس يشترطونه في الأعراس (8).

 

9 ـ الشعر الشعبي (أوالملحون) وعلاقته بالتصوف :

وأشار العلّامة ابن خلدون في مقدّمته إلى الشعر الملحون او الشعبي فذكر أن واضعه هو رجل من أهل الاندلس كان يعرف بابن عُمَيِّر (بضم العين وفتح الميم وتشديد الياء المكسورة) الذي نزل مدينة فاس وعنه نقل الناس هذا الأسلوب في نظم الشعر بدون تكلّف.وهناك شخصية عظيمة أخرى ظهرت أيضًا في طليعة هذا الميدان، وهو محمّد بن عيسى الشهير بابن قزمان الأندلسي الزجّال (555 هجري ـ 1160م)الذي غمر الأدب الأندلسي بأزجاله وشعره الملحون، ويسّر بإبداعه هذا ما كان متعسّرًا على العامة،فأخذ كلّ واحد منهم ينظم كلماته شعرًا على النمط الجديد بلهجته الخاصة دون كلفة ولا تعاطٍ للأوزان الشعرية الخليلية التقليدية، وهذا ما سمي بعد ذلك في ارض الأندلس بالزجل،الذي نظموه على أوزان جديدة انتشرت بعد ذلك في المشرق أيضًا وجعلوا لها أسماء مثل (كان وكان) و (الموّالية) و (السلسلة)و (الدوبيت) و (المستطيل)و (المنسرد) و (المطرب)،ممّا عرف عند الأدباء بفنون الشعر السبعة، وقالوا « هذه لا تسمّى شعرًا لأن أوزانها مخالفة لأوزان العرب » وجعلوها من الأبحر المهملة  (9) .

إن الشاعر الشعبي (أو شاعر الملحون) يمتص جانبا من التصوف ثم يعيد نسجه وتنظيمه وفق ما تزود به من علوم ومعارف دينية. وهنا نلاحظ أن الشاعر الشعبي لا يجهل الأبعاد الحضارية لخطابه، فهو يستفيد مما تعطيه الجماعة الشعبية كما يستفيد من مؤهلاته الاجتماعية و الثقافية.

ويلاحظ المتتبع لقصائد الشعر الشعبي (الملحون) أن الحكاية التي يرويها الأدب الشعبي هي سبيل واضح لاستكشاف الوعي الصوفي في مستوى من مستوياته، والتعرف و لو بشكل أولي على ما يعتمل داخل المجتمع من نشاط ديني وثقافي. وغني عن القول أن الشاعر الشعبي الصوفي متأثر بالثقافة الدينية والشعبية التي أخذها من محيطه والوسط الذي عاش فيه، هذه الثقافة التي تعتبر زادًا معرفيًا متنوعًا تقدمه (الجامعة الشعبية) المتمثلة في المساجد والزوايا.

وفي هذا السياق ينبغي التأكيد على أن معظم شعراء الملحون الجزائريّين والمغاربيّين إن لم نقل جميعهم هم من الصوفية .و نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر :

سيدي لخضر بن خلوف، عبد العزيز المغرواي، الحاج محمّد النجّار،الحاج عيسى لغواطي، الشيخ عبد الرحمن المجدوب، الحاج مبارك بو لطباق، سيدي أحمد لغارابلي، عبد القادر بلوهراني،سيدي أمحمّد بن عودة، سيدي بلحسن  وغيرهم.

ومن الممكن أن نضيف إلى هؤلاء أسماء أخرى من الشعراء الذين كتبوا في المديح النبوي والوعظ ومدح الأولياء والصالحين، حتّى و إن لم يشتهروا كصوفية ولكن نصوصهم مشرّبة بالروح الصوفية والمصطلحات الصوفية.ومن بين هؤلاء الشاعر التلمساني  أبو عبد الله الحاج محمّد  بن أحمد بن مسايب الذي عاش في القرن 12 الهجري و أصله من الأندلس،كان يكتب في العديد من الأغراض غير أنّه عندما يكتب في المديح النبوي أو الوعظ أو مدح الأولياء، لا يستطيع القارئ أن يميّز بين شعره وشعر غيره من الشعراء المتصوّفين وذلك لشدّة غوصه في الأحوال و التعابير الصوفية.

 

10- علاقة بعض الشعراء الشعبيين الجزائريين بالتصوف (بن قيطون والسماتي):

من النماذج المعبرة عن العلاقة الوطيدة الموجودة بين الشعراء الشعبيين الجزائريين والتصوف، الشاعران : الشيخ محمد بن قيطون، والشيخ السماتي.

 

أولا : الشاعر الشيخ محمد بن قيطون :

 

كانت ولادة الشاعر الشيخ محمد بن قيطون، قبل الاحتلال الفرنسي لواحد سيدي خالد (قرب بسكرة) سنة 1947-1948. وكانت المقاومة في واحات بسكرة عنيفة، وكان موقف الشيخ المختار مؤسس الزاوية المختارية، صارما ضد الاحتلال الفرنسي، حيث حاول جاهدا الاتصال بالأمير عبد القادر دون جدوى. وقد حذر أحد القادة الفرنسيين من خطورة هذا الشيخ ومن السلطة الروحية التي يتمتع بها (المجلة الأفريقية، رقم 682-2781، ص 244) وعلى رغم أن الاحتلال الفرنسي شمل كامل واحات بسكرة، فإن المقاومات الشعبية كانت تقوم من حين لآخر، خصوصا في نواحي طولقة والعامري. وكانت المقاومات التي قادها الشيخ بن الحداد والمقراني، وصلت إلى هذه الواحات. ولعل مقاومة البوازيد (الأشراف من أولاد سيدي بوزيد) سنة 1876 كانت من أعنف المقاومات، وقد أيدها الشاعر محمد بن قيطون وسجلها في الكثير من قصائده، خصوصا وأنه ينتمي إلى هذا العرش، ولعله شارك في هذه المقاومة. وقد تم العثور على قصائد رثى فيها قومه الذين بددهم الفرنسيون، وعرفت تلك الثورة كذلك بثورة ابن عياش قائد المقاومة الذي يذكره الشاعر في قصائده. ومن بين القصائد التي رثى وبكى فيها قومه، قصيدة مطلعها :

خيره بن الدونان/ با الأزرق يحميك في ظني

تديش ذا العنوان/ لاولادت بوزيد بعدوني

الاحباب يا الاحباب/ نجعي نجعي وين قالو غاب

فروه ع الاشعاب/ ما لشين خبر اللي على وذني

ما جابش بن عياش/ راعي الثهب يا بني رياش

زدمو وما ولاش/ رجع السرسور ظهراني

يا خالق الأمة/ اجمعهم كيما اجمعت الما

يا باسط النعمة/ جيبلهم سلطان حقاني

ان شاء الله يسعد/ اللي جاب القول فيه يشد

اسماه محمد/ ف النسبة معروف قيطون.

هذه بعض الرباعيات من قصيدة طويلة يمدح فيها قومه تارة، ويرثيهم تارة أخرى. ويبدو أن الشاعر لم يتمكن من الاتصال بهم، حيث حاصرهم الجيش الفرنسي ولحقتهم الهزيمة. فيقول في قصيدة أخرى :

يا فارس شاتي نوصيك تغدى

توصل للنجع اللي كادني بعد

توصل للشرفة الاحرار عز رجالي

واللي عنهم طول الليل ما نرقد

سال على خوتي الاشراف بالواحد.

القصيدة طويلة يتمنى فيها أن يعود قومه منتصرين، كيف لا وهم الشجعان الأسود. ويعود الشاعر إلى ذكر ماضيهم ونسبهم وأخبارهم وكرمهم، فهم الأشراف الأحرار.

ويُلاحظ أن الكثير من نصوص وأخبار الشاعر محمد بن قيطون، ضاع بفعل عوامل الزمن وبخل من يملكون مخطوطات شعره، حيث يرفضون تسليمها أو حتى إعارتها أو التصوير عنها للباحثين. وقد تمكن الباحث  أحمد الأمين من الحصول على بعض تلك النصوص من الزاوية القاسمية في الهامل (بوسعادة) وبعض أخبار الشاعر من سيدي خالد والجزائر العاصمة ومدينة الأغواط.

شاعرنا هو ابن قيطون محمد بن الصغير الأيوبي البوزيدي نسبة، الخالدي سكنا. والشاعر نفسه يذكر ذلك في الرباعيات الأخيرة من قصيدته الشهيرة « حيزية » مضيفا إلى ذلك تاريخ كتابتها الذي صادف عيد الأضحى من سنة 1295 هجري..

واحة سيدي خالد، مسقط رأس الشاعر محمد بن قيطون، عرفت نهضة أدبية كبيرة، حيث كانت تزخر بالحكايات والقصص والأساطير الشعبية، ناهيك عن الشعر، فضلا عن أن الواحة سُميت باسم نبي أسطوري هو خالد بن سنان العبسي، تحدثت عن نبوته الكثير من الكتب القديمة، ثم نُسجت حول ضريحه أساطير وقصص شفاهية، بعضها يدور حول اكتشاف عبد الرحمن الأخضري لقبر النبي المذكور. وبإختصار، يمكن القول، حسب الباحث أحمد الأمين، إن هذا القبر صار ضريحا ثم مسجدا ثم زاوية، يأتيها الطلبة والعلماء من كل مكان. وتحدث العياشي والورتلاني عن الزاوية وعن صاحب القبر في رحلتيهما. ولا بد أن نشير هنا إلى أنه تكون حول الضريح سوق سنوي يقام بتاريخ 26 رمضان، يقصده الحجاج قبل انطلاقهم إلى البقاع المقدسة، لشراء حاجياتهم من هذا السوق.

في هذه الأجواء الأدبية والروحية، نشأ محمد بن قيطون وتفتقت موهبته الشعرية. وفي إحدى زوايا القرية، وهي الزاوية الجرونية، تلقى تعليمه الأولي فحفظ القرآن الكريم وتفقه في الدين، ثم تنقل وتجول وزار الزوايا المشهورة، مثل الزاوية القاسمية بالهامل (بو سعادة) ومختلف الزوايا المجاورة. ولا بد أنه كان يحضر الحلقات الفقهية في مختلف المؤسسات التعليمية. وكان محمد بن قيطون من أعلام الزاوية الجرونية بصفة خاصة، وهي زاوية صغيرة تقع بالقرب من مركز سيدي خالد، فكان كما يروى، يُعلم الصبيان القرآن الكريم كما كان يسهر على تسيير شؤون الزاوية ومسجدها، ولعله كان ينوب عن شيخها في غيابه.

طرق الشاعر بن قيطون عدة موضوعات، لكنه اشتهر بالرثاء أكثر من المديح. أما المدائح النبوية والتشوق إلى زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم التي تناولها جميع الشعراء، فقد أبدع فيها شاعرنا كما سنرى لاحقا.. ومما يروى في روحانية محمد بن قيطون، أن أحد الأثرياء، وهو أسعيد الذوادي، قصده دون غيره من الشعراء الفحول الذين عاصروه، كما قصده ابن عم حيزية لأنه من أولاد سيدي بوزيد الأشراف. فيروى أن البطل الثري أسعيد الذوادي خصص له جائزة تمثلت في مجموعة من القطع الذهبية، فأخذها الشاعر إلى شيخه في الزاوية الجرونية. فأمره الشيخ أن يجعلها في دلو بئر المسجد، ففعل. وأدلى الشاعر دلوه ثم أخرجه، فإذا هو مليءٌ بالقطع الذهبية. وتعد هذه من كرامات الشيخ محمد بن قيطون. وتروى ايضا قصة أخرى حول الروحانية القوية التي كان يتمتع بها الشيخ الشاعر، والتي أتته من انتسابه إلة البوازيد الأشراف من آل البيت، حيث تحول إلى أسد. ويقول الرواة إن جدته رأت ذلك بأم عينيها. لقد تحول محمد بن قيطون إلى أسد، فأخاف الحاضرين والمارين. ولعل ذلك هو ما يقصده الشاعر عاشور الخنقي في قوله « وأن حركته غيرة يتأسد » وهو الشاعر الذي يعتقد اعتقادا مطلقا في كل ما يُحكى عن الأشراف من آل سيدي بوزيد أو آل سيدي عبد الرحيم، حيث مقر الزاوية القاسمية بالهامل. وقد ذهب به اعتقاده هذا إلى القول إنه لا إحسان مثل الإحسان إلى الأشراف، وإن كانوا عصاة. بل وأكثر من ذلك، حيث راح يستشهد بقول الشاعر الجاهلي :

فهل أنا إلا من غزية إن غوت/ غويت وإن ترشد غزية أرشد

ولا شك أنه جاء بهذا البيت ليقول إنه مع الأشراف في غيهم ورشدهم. ولا شك أيضا أن بن قيطون التقى بالشيخ محمد بن عاشور في الزاوية القاسمية، فكلاهما مدح شيخ الزاوية سيدي محمد بن بلقاسمم، وأثنى على كرمه. كما إنه رثى شيخ الزاوية بعد سماعه خبر وفاته. ومن الأدلة على استمرار تواصل بن قيطون مع الزاوية القاسمية حتى بعد وفاة مؤسسها، مدحه لالة زينب ابنة سيدي محمد بن بلقاسم، والتي تولت تسيير شؤون الزاوية بعد والدها. كما رثاها بقصيدة بعد وفاتها. وعلى رغم اشتهاره بالرثاء، حتى أن شعره السياسي تحول إلى رثاء الموتى والمشردين والمنفيين من طرف الاحتلال الفرنسي خلال مقاومة البوازيد الأشراف، إلا أن ذلك لا يمنع من أن الشاعر كتب في جميع الأغراض الموضوعات، حيث كان غزير الإنتاج. وكما سنراه مع الشاعر محمد بن مسايب، يتجه بن قيطون إلى توظيف المفردات الغرامية في شعره الصوفي، حيث نراه مثلا عندما يمدح لالة زينب القاسمية قائمة مقام الشيخ في زاوية الهامل، يوظف المفردات نفسها التي يوظفها في شعره الغزلي، حيث يقول مثلا :

الاعضاد من جمار/ والا ثلج ان صب ع الوعار

غطى جبال كبار/ وسهول وطلال كفاني.

يقول إن أعضاءها في البياض كالجمار قلب النخلة، وحيث الخصوبة أو تثلج غطاء السهول والجبال والروابي، فهو هنا يربط تمثال الممدوحة بقلب النخلة وبالثلج الذي تروى منه الأرض. إن الشاعر مجمد بن قيطون، حين ينسى المشبه وينساب مع المشبه به، يعطينا صورة أو صورا كاملة، وينجح في ذلك لأنه يعطينا أثرنا فيه، ووقعها على نفسه وما بعثت فيه من أحاسيس. وسنرى أن المسلك نفسه سار فيه الشاعر الشيخ محمد بن مسايب في وصفه للنبي صلى الله عليه وسلم وللكعبة المشرفة. بل إنه كما سنرى، ذهب أبعد من ذلك بكثير..

(الأمين، أحمد : صور مشرقة من الشعر الشعبي الجزائري، ص 76-91)

 

ومن الشعر الصوفي للشيخ محمد بن قيطون، قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به على أنه حي في قبره يجيب نداء من يناديه ويقضي حاجته بإذن الله تعالى وبعون جيوش الملائكة الذين يبلغونه صلوات الناس عليه من كل مكان وفي كل لحظة، كما يذكر الشاعر أجداده من آل البيت النبوي : علي بن أبي طالب وولديه الحسن والحسين أبناء فاطمة الزهراء رضي الله عنهم طالبا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وغفران ذنوبه. ونقتطف منها الأبيات التالية بداية من المطلع :

من طيبة هب ريح الأمجد عن الاحباب/ زاد ريح الصبا عن باب الكعبة

داروا بالعاشقين بالشايب والشباب/ تركوا الاوطان قاصدين المجتبى

يا ربي غيثني بالامجد يا وهاب/ بسم الله اسمه حرف البا

يا من ليس تخيب السايل بالباب/ يا ملجأ الخايفين مجيب الطلبة

يا قريب الوفا الساع للطلاب/ عجل لي بالحبيب يطفي ذا الشغبة

يا طه المصطفى العقل توالك غاب/ حبك مثل السحاب عني يتربى

هكذا حب الرسول نشبني تنشاب/ مكني فالفؤاد ما فادت طبة

النوم اصماط يا احمد من حبد غاب/ ودموعي شاهدين الاحداق والهدبة

واللي نباك راه عالم بالمصاب/ يبصر ما فالقلوب يا عالي الرتبة

انت تنظر بالعين مولاك الغلاب/ تعلم ما راه صادني عنك دابا

من لا درك الحب لا فارق الاحباب/ لا هجره من بعيد في وطن الغربة

العاشق من هواك بامحانه مصاب/ اللي ما شاف هول ما شاف الغربة

بالك عنو تلوم دير عليه نقاب/ يلومك من ازداد فالعشق محبة

يا رسول الإله يا طه الأواب/ راني شاهي نشوف وجهك والشيبة

اتجيني وتخش داري عند الباب/ فميعادك تكون جماعة منسوبه

لحسن والحسين وعلي والأصحاب/ والزهرا ما تغيب عني فالصحبة

الجمعة وخميس تتباشر الاحباب/ غناية وطبول في بيتي طربه

نفرح فرح النعيم سعدي يا الاحباب/ تضوي بيتي بنور فوق الينبوبة (السراج)

هكذا قطعي عليك يا زين الثياب/ حشمتك لا تخيب ولدك في طلبة

أنت هو ذخيرتي عليا وشراب/ وانت زادي اذا ضياقت فالرحبه

أنت تاج النفوس فوق الراس حجاب/ أنت هو شكايتي سيف الهيبة

أنت حصني وسور عني فالتراب/ أنت درعي انت سلاحي للضربة

أنت حرمي انت جناني كل طياب/ أنت بصري انت سرجي فالمجبى

وطنك جاني بعيد يا طيب الاطياب/ افيافي وقفار والارض مغبة

الجسم هنا مكين يا طيب الانساب/ والقلب ليك شور وطنك يثربا

ماذا ناديت بيك يا مغني الطلاب/ وانت عيني بطيت طولت الغيبة

يا كنز المومنين يا صاحب الركاب/ يا عز اللي يعود شورك في غلبة

اللي عنده انت علاش يخاف عذاب/ ما خاب من يدير في وهيك سبة

اللي عنك يقول بن قيطون اشغاب/ محمد ليك يا الهادي في النسبة

يرجى محي الذنوب مع حسن الثواب/ والذي مع الحاضر والقربا

حررنا من زفير وحر اللهاب/ واحضر في نهار تشتد الكربة

سكني في مقام عالي فيه قباب/ دايم قصري حذاك في ذيك التربة.

(الأمين، أحمد : صور مشرقة من الشعر الشعبي الجزائري، ص 96-100)

 

وفي رثاء الشيخ سيدي محمد بن بلقاسم مؤسس الزاوية الرحمانية في الهامل ببوسعادة، يقول الشيخ محمد بن قيطون، حيث يصفه بالأوصاف التالية :

قطب الأفراد، عين الوجود، بدر البدور، باب القصاد، مولى النور الوضاح، غوث الصلاح، بن بلقاسم مفتاح، بحر العلوم، فاض فيضه انعوم (جمع نعمة)، عز يتامى ورمول (أرامل جمع أرملة) وضعيف ينادي، رسله الحي القيوم، ولد البتول (فاطمة الزهراء)، من نسل الهادي، بالذكر يصادي (يجهر بذكر الله)، شيخ الأكوان، حزنت عنه الاخوان (مريدو الطريقة الرحمانية)، السلطان، كهف الأنام، بحر الطعام، سيف الجهاد، حلو الكلام، زين الميعاد، نور الفلق (الليل)، شمس الآفاق، نعم الصديق، شيخ الطريق، مولى البحر العميق، للمريد رفيق، العتيق الشفيق، للخلق اسنادي (سند)، الشيخ الوقار (الوقور)، ضاوي المنار، مولى اتعاد (صاحب العهد الوفي)، شايع في كل اوطان، مولى سر وبرهان، سراج العميان، ضياء الإيمان، سيد اسيادي، شريف الجدين، شيخي ولد الحسنين (الحسن والحسين ابنا علي)، عمدة الدين، كهف الجاني (الهارب) حسين، شيخ الزهاد، الأمين، روضة الدين، فحل الأيادي (الكريم)، الليث البطاش، سور الأرفاد، صاحب البركات، نور الأثماد (العيون)، المصباح، كنز الجياد، حم كنز الفلاح، الشمس الوضاح، بابا زينب نصاح، شيخ الإمداد.

وهذا نص القصيدة :

خبر ان جابو اعلام/حير الاسلام/ يقظة ماهوش منام

موت الوكاد

غاب الشيخ الهمام/جاور الارسام/ بن بلقاسم حمود

قطب الأفراد

غاب الشيخ المقصود/عين الوجود/ بعد أن كان موجود

سكن الالحاد

ارحل صار مفقود/كنز النقود/ آه كن بحر الوجود

فيضة الواد

غاب الشيخ المذكور/في كل ابرور/غاب بدر البدور

عن كل بلاد

خبر ان جانا بالفور/ومحاه اكدور/ ضاقت به الصدور

حارت الاجساد

على القطب المبرور/باب القصاد/ باب للخلق مراح

حضري والبادي

نزل في قلبي جراح/كي قالوا راح/ مولى النور الوضاح

عنا وقاد

غاب الشيخ النصاح/غوث الصلاح/ بن بلقاسم مفتاح

باب القصاد

غاب الشيخ المعلوم/بحر العلوم/فاض فيضه انعوم (جمع نعمة)

فوق العباد

لكن من جاه يروم/بالدا مسقوم/ يبري بجفا مفهوم

بادواه ينادي

غاب الشيخ المفهوم/كنز العلوم/ عز ايتامى ورمول (أرامل جمع أرملة)

وضعيف ينادي

رسله الحي القيوم/كنز العلوم/ غاب ولد اليتول

من نسل الهادي

غاب الشيخ المقبول/طب المعلول/ عز اركاب وطبول

بالذكر يصادي

عز اخوان افواج/من كل طلول/ عز الصحرا وتلول

حضري والبادي

غاب شيخ الأكوان/بحوث الديوان/ حزنت عنه الاخوان

أهل الودادي

ناحت عنه الاعبان/بالدمع حزان/ ضاقت عنه الاخوان

بعد الوكاد

ما اعظم موت السلطان/كهف الأنام/غاب بحر الطعام

سيف الجهاد

احترمت به الإسلام/حلو الكلام/ ماذا قصدت الاقوام

زين الميعاد

قصدت ذاك المقام/من كل خيام/ ربحت منه خدام

ولات اسياد

غاب نور الفلق/شمس الآفاق/ كسفت بعد الإشراق

في الكون اشهاد

ما اصعب ذاك الفراق/ليس يطاق/ مكن فالقلب احراق

صيهد فؤادي

آه عن شيخي غاب/نعم الصديق/ غاب شيخ الطريق

كنز الاياد

اروي كم من عشيق/له وثيق/ مولى البحر العميق

لزاير غادي

للمريد رفيق/في كل مضيق/ العتيق الشفيق

للخلق اسنادي

غاب الشيخ الوقار/ضاوي المنار/ عز الهامل والدار

مولى التعاد (صاحب العهد الوفي)

عز ركاب وزيار/من كل اقطار/ عن اخوانه والجار

أهل الإرشاد

أسماط الوقت ادبار/موت الخيار/ زادت به الأضرار

موت الوكاد

شايع في كل اوطان/وفي السودان/ من مكة لحميان

وفاس الغادي

مولى سر وبرهان/والنور الحيان/ يا سراج العميان

يا رحل الزاد

ربحت به الأوطان/بعد العمران/ يا ضياء الإيمان

يا سيد اسيادي

ابكي وابكي يا عين/بالدمع سنين/ عن شريف الجدين

بكى التغراد (البكاء بصوت عال)

شيخي ولد الحسنين/عمدة الدين/ كهف الجاني (الهارب) حسين

شيخ الزهاد

بن بلقاسم لمين/ روضة الدين/ نام غمض العين

فحل الاياد

اظلم الكون ادناس/ضاقت الانفاس/ رجت منه الاشخاص

بالعيد العادي

راح جاور الارماس/في قبر الساس/ غاب الليث البطاش

سور الارفاد

كم ازواو مقامات/به تولات/ خلاها معلمات

تسقي الاوراد

فاضت منه عجات/عن كل ثبات/ صاحب البركات

نور الأثماد (العيون)

لقحت منه جياح/كانت سراح (رعيان)/ رامت تقرا الالواح

للعلم تصادي (تقرأ بصوت مرتفع)

حتى صارت صلاح/نالت الارباح/ ضاءت عن ذا المصباح

كنز الجياد

حم كنز الفلاح/الشمس الوضاح/ بابا زينب نصاح

شيخ الإمداد.

(الأمين، أحمد : صور مشرقة من الشعر الشعبي الجزائري، ص 101-107)

 

وفي قصيدة أخرى رائعة المبنى عميقة المعاني مطلعها « قلت انسالك »، يمدح الشيخ سيدي محمد بن بلقاسم مؤسس الزاوية القاسمية في الهامل ببوسعادة، حيث يقول :

قلت انسالك منين تاتيني راكب يا الطالب

وانت عودك مجرح بجراح مواس

قلت انسالك اليوم عن ضاوي اللباس

مولى الهامل بلاد جوبه (بعيدة) على الراكب يا الطالب

ويكود الماشي وانايا تراس (راكب)

دونه ذاك الغمام كي طاح مربرب (خاثر كثيف) يا الطالب

غطى روس الجبال يخضوره يدناس

هضعني (جعلني أتحدث كثيرا كالمجنون) في هواه وانايا غايب يا الطالب

خلخل قلبي اداه خلاني هوداس

اللي زاير الحبيب عمره ما ينكب يا الطالب

يسقي زرعه فريك ما يذريش خلاص

واللي زاي الحبيب يغطس ويشبب يا الطالب

حصن سوره داير عليه العساس

آخر معشوق في هوى عود يلعب يا الطالب

يلعب بزويحتين (مفرده زويحة وهي البندقية) عمره بالقرطاس

وآخر عنده المال يسرح ويعزب (يلهو ويلعب) يا الطالب

ويباتو ساهرين رعيانه حراس

وآخر زاهي فلاحته حرثو يعجب يا الطالب

يمشي بين الخطوط يامر فالخماس

وآخر داير جنان والحيط مزرب يا الطالب

وقت التمرة تطيب داير له عساس

وآخر زاهي بلوحته فيها يكتب يا الطالب

يحفظ فالقرآن يقراه بالانصاص

وانا عشقي وراحتي باب زينب (أبو زينب)

هو اللي دمغني وضاربني فالراس

هو اللي غرني بكلامه ننسب يا الطالب

عرفني بالعباد نسمي حواس

مانيشي بالكلام أنايا نطلب يا الطالب

اينزه فالعاشقين في ضاوي اللباس

شيخي ضوا القلوب هو المُطبب يا الطالب

ينهى فالعباد من جمع الوسواس

شيخي شمس اللهوب بضياها يعجب

بعد الطلوع تربعت عن جميع الناس

شيخي بحر البحور فيضاتو يقلب (كثير)

بحره غامق يا الخاوة ما يوفاش

شيخي بحر البحور فالناس يهذب يا الطالب

يربي فالطلاب يقراو الكراس

راني خايف الشيخ عني لا يغضب يا الطالب

واش يرضي شيخنا ضاوي اللباس

اشغلنا ذا الزمان وللدنيا تغلب يا الطالب

والدنيا فانية أكثرها تخفاص.

(الأمين، أحمد : صور مشرقة من الشعر الشعبي الجزائري، ص 108-110)

 

ثانيا : الشاعر الشيخ أحمد السماتي :

الشيخ أحمد السماتي، هو الشاعر الجوال الذي ملأ دنيا الجزائر بأشعاره الباكية الحزينة بفضل عاطفته الجياشة وإحساسه المرهف. كما ملأها بأشعاره الساخرة من الحياة الزائلة، وبحكمه التي يضمنها أشعاره بمهارة فائقة، حتى أصبحت مضربا للأمثال يستشهد بها الناس في جالسهم وأحاديثهم اليومية. عندما يتحدث الرواة عن شعر الشيخ السماتي ويروون أخباره، تشعر أنهم يخدثونك عن شخص خارق للعادة، شاعر ليس كالشعراء الآخرين، تمتزج أخباره بالحقيقة والخيال. ويروون عنه حكايات هي أقرب إلى الأساطير منها إلى الحقائق الواقعية. وليس ذلك في مسقط رأسه (أولاد جلال) فحسب، بل في كل المدن والقرى التي زارها، وما أكثرها.

الشيخ أحمد السماتي الساسوي (نسبة إلى أولاد ساسي) الجلالي (نسبة إلى أولاد جلال مسقط رأس الشاعر) بن البهالي بن عبد الرحمن من أولاد جغلاف أحد بطون هذا العرش الكبير (أولاد ساسي) الذين ملأوا البوادي بخيمهم ومواشيهم، فسكن بعضهم أولاد جلال وبعضهم سيدي خالد (قرب بسكرة). ملكوا النخيل ومارسوا الفلاحة بهاتين الواحتين، وارتحل آخرون إلى مدينة جامعة الواقعة جنوب شرقي الواحتين المذكورتين، حيث إن أخت الشاعر كانت في جامعة تحفظ وتروي أشعار أخيها.

قاوم عرش أولاد ساسي الاحتلال الفرنسي مع من قاوموه بعنف من أبناء الجنوب والمناطق الجزائرية الأخرى، لذلك نجد أن الكثيرين منهم ارتحلوا إلى تونس بعد سقوط المنطقة في أيدي الاحتلال.

استقرت أسرة الشاعر الصغيرة في أولاد جلال قبل ميلاده، بينما حافظ بعضُ أقاربه على بداوتهم وبعضُهم سكن سيدي خالد، وهي الواحة التي كان الشاعر يتردد عليها كثيرا، لا لزيارة أقاربه فحسب، بل لأنها كانت تزخر بالشعر والشعراء والوراة، حيث لا ننسى أن الشاعرين الكبيرين بم يوسف بن محمد (الذي لقبه الشيخ البشير الإبراهيمي بأمير الشعراء) ومحمد بن قيطون كانا يسكنان هذه الواحة. لا يُعرف على وجه التحديد متى ولد الشاعر الشيخ أحمد السماتي، لكن الرواة متفقون على أنه توفي سنة 1908 في سن الأربعين تقريبا بعد معاناة من مرض السل الذي كان منتشرا بين الأهالي آنذاك. من هنا يمكن أن نستنتج أن الشاعر يكون من مواليد 1869 على وجه التقريب.

في سن مبكرة سلمه والده إلى الزاوية المختارية ليحفظ القرآن الكريم ويتفقه في الدين. وكان شيخ الزاوية حينئذ الشيخ محمد الصغير بن المختار، الذي سيصبح شيخا للزاوية وصديقا للشاعر. وعرف هذا الشيخ كيف يهادن الحكام الفرنسيين، وكيف يحسن علاقاته مع الزاوية العثمانية بطولقة، والزاوية القاسمية بالهامل، كما استطاع أن يضم إلى أتباع الشيخ جميع قبائل أولاد نايل والقبائل المجاورة للمنطقة ويخضعهم لسلطته الروحية، فكان يتلقى المساعدات المادية لتسيير شؤون الزاوية التي كانت تستقبل أكثر من ثلاثمئة طالب حسب ما جاء في التقرير الذي كتيه الحاكم الفرنسي سنة 1901.

ويبدو أن الشاعر انقطع عن الدراسة بعد أن حفظ القرآن وشيئا من الفقه وعلم التوحيد، ليبدأ رحلته مع الشعر والشعراء والتجوال الذي يقوده تارة إلى المدن التي يجد فيها مجالس الأنس واللهو والمتعة، وتارة أخرى إلى شيوخ الزوايا لمدحهم وخدمتهم أحيانا. فقد أقام في زاوية الهامل مدة طويلة لخدمة الطلبة الداخليين والإشراف على مطعمهم، لكنه كان أحيانا يذهب إلى بوسعادة القريبة من الزاوية أو الجلفة، حيث المجالس التي يحبها. لذلك قال شيخ الزاوية عنه في ما يُروى : « إنني أردتُ أن آخذه فأخذه مني الشيطان ».

من هنا يظهر أن رحلته مع الشعر بدأت في سن مبكرة، حيث عرفت الواحات المجاورة لأولاد نايل عرفت أيضا نهضة شعرية، فلا بد أنه كان يروي أشعار من سبقوه من أمثال ابن قيطون وابن يوسف، كما كان يلتقي بالشاعر الكبير عبد الله بن كريو، بالإضافة إلى شعراء أولاد نايل والهضاب العليا عموما. وتقول بعض الروايات الشعبية، إن الشيخ السماتي التقى خلال مراهقته بالشيخ بن يوسف الشريف المرابطي الذي بصق أو تفل في فمه ليأخذ منه الشاعرية، لما رأى من موهبته في قرض الشعر. ولا شك أن الشيخ السماتي استفاد كثيرا من بركة الشيخ بن يوسف، حيث نراه يشكو إليه حاله ويستنجد ويستغيث به في إحدى القصائد التي يمدحه فيها، حيث يقول من أبيات :

أتلفت بركاك من هاذ الرقدة/ لوح بعينك شوف للي جاب أغناه

تسمح في عيب من جانب الأعداء/ ويقولوا مملوك بن يوسف خلاه

هذا مطلوب السماتي لا جحدا/ باغيك اتهنيه من جانب عدياه

سي بن يوسف عز من نادى باسمه.

جاب الشيخ السماتي ربوع الجزائر وتجول فيها شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، حيث اكتسب شهرة واسعة، فنحن نجد شعره يُروى في جميع المناطق. وكان شاعرنا يتردد على مدينة الأغواط، ولعله كما يروى، زارها للمرة الأولى في مهمة كلفه بها شيخه، ثم عاد إليها زائرا بعد أن وجد فيها ضالته التي تتمثل في مجلس الغناء والشعر، كما تعرف على شاعر الأغواط عبد الله بن كريو الذي صار رفيقا له في رحلاته إلى بعض المدن كالجلفة وبوسعادة وغيرهما.

في مدينة الأغواط تعرض الشيخ السماتي للسجن، فهناك من يقول إنه سُجن من أجل علاقته بامرأة وتنسج حكايات حول هذه العلاقة، إلا أن الشاعر في قصائده يقول غير ذلك. والحقيقة أن الكثير من الشعراء يُنفون ويُسجنون ثم تُلصق بهم تهم من هذا النوع.. ثم إن الشاعر الذي بكى واشتكى كثيرا من مرارة السجن، يقول غير ذلك. ويُروى في هذا الصدد أن الحاكم الفرنسي رأى في منامه أن رجلا قويا يحمل سيفا وحربة يهدده بالقتل إن لم يطلق سراح الشيخ السماتي، وأن هذه الرؤيا تكررت ثلاث مرات، حيث هب الحاكم في المرة الثالثة فرعا وأمر بإطلاق سراح الشاعر.

(الأمين، أحمد : صور مشرقة من الشعر الشعبي الجزائري، ص 117-126)

 

ومن القصائد الصوفية التي كتبها الشيخ السماتي، قصيدة يمدح فيها أولاد الشيخ المختار، يصفه فيها بالأوصاف التالية : رايس الأوليا، منبع الأنوار، فال الخير، حمو المير، عين الجود، سعد السعود (أفضل طالع في الأبراج السماوية)، خليفة السلطان، غوث الزمان، كنز الإخوان، نور الإيمان، شفيع بالخلقيا (شفيع في الخلائق)، يهدي إلى الطريق، البيت العتيق (من الشائع عند الصوفية عموما وفي النصوص السماعية الجزائرية والمغاربية، أن الولي هو الكعبة وهو بيت الله وهو البيت العتيق)، دواء العليل، أنت اللي مقبول، بيك الوصول لله والرسول، صلاح الدين، راحة المختار، صاحب الأسرار، تلقح بيه الأشجار.

يقول الشيخ السماتي في هذه القصيدة :

يا خالق الاطيار/لله دير مزية/ لتربة المختار

نعطيك ضرك وصاية

قولو خديمك بار/يا رايس الأوليا

لتربة المختار/ منبع الأنوار/ نوصيك كون نصار

بوصايتي حصية

تلقال فال الخير/حمود المير/ استاذنا الصغير

شكيه جود عليا

شكيه عين الجود/سعد السعود/ في عصرو مفرود

بالجود والعناية

خليفة السلطان/غوث الزمان/ نور به الأركان

قاشوم نور الدنيا

عمرت به الاوطان/كنز الإخوان/ طهيرة الأبدان

بكامل التربية

قد ذاه في الاكوان/نور الإيمان/ بالجود والإحسان

شفيع بالخلقية

يهدي إلى الطريق/حم الصديق/ هو البيت العتيق

نوصيك يا هدايا

فكن له عتيق/به وثيق/ يكن لك رفيق

في الآخرة والدنيا

ينقذ من المضيق/حقا تحقيق/ ينجيك من غريق

بحور غميقية

نوصيك قولو قال/مازلت انسال/ أنا ومالي مال

مملوك لمولايا

مملوك من مليك/إلى مليك/ واليوم راني ليك

مشلوط في خديا

راني ننادي بيك/ربي يهديك/ يبقى اللوم عليك

منسوب ليك أنايا

مازال وحشي فيك/ناوي لمجيك/ لله وشيخيك

فكن ناصريا

راني اليوم وحيد/والبر بعيد/ ما صبت ليك وكيد

هروال بن مطية (فرس)

من صاب لي زراب/أبيض لواب/ رماح جير قباب

روضات للأوليا

مثال برج اسحاب/بعد الضباب/ كاسماه دار قباب

وبقات الأرض مرايا

في اللون كالدهدان/شاش الكتان/ جلدو وخبا سلطان

مثال هذايا

ولا أزرق شكنان/عالي شرنان/ عنقو جبا وزيان

وسبايبو شامية

قمري معاه قران/صافي الجنحان/ بري سكن كيفان

ماهوش للبلدية

ولا حمر يركان/فتح النعمان/ شراد كي السحوان

محال يهنى بيا

ولا كحل طراح/مداد لواح/ إذا جرى نصاح

البلوغ مراديا

ولا خضر مشهور/طحل البحور/ صاري على بابور

بوشاط عصمليا (كلمة تركية تعني رتبة البحار)

هذون يدو ليك/ونطل عليك/ مشغول بحبيك

الله عالم بيا

نرجى نشوفك كان/حن الحنان/ في النوم ولو كان

لحظة يكون دوايا

إذا نظرتك راح/داخل جراح/ من شوفتك نرتاح

أنت طبيب دوايا

أنت دوا العليل/نسال حسنيا/أنت اللي مقبول بيك الوصول لله والرسول

مجيب دعايا

أنت اللي نرجاك/مالي سواك/ محال ما ننساك

ما دام عيني حية

أنت صلاح الدين/للمسلمين/بيك الوصول آمين

في الآخرة والدنيا

راني خدمت العار/والعمر ادبار/ سعي الى الأوزار

حملي ثقل بالسية

والناس جار بجار/لقحت بثمار/ وانا بلا ذكار

وجنان عندي غاية

شجر والكل مختار/زايد يخضار/ بنواع كل ازهار

ومياه فيه قوية

كي عاد يا مختار/ما فيه اثمار/ صينو خديمك بار

وضحيت في ندمية

يا راحة المختار/دنبي وقد جار/ وليت كي المشرار

فقير فالأغنيا

ابليس بيا دار/وشبابي حار/ والعود بيا سار

الله يلطف بيا

يا صاحب الأسرار/راني محتار/ عنو العيش امرار

وانت تكفل بيا

بجاه من علاك/عوض ولاك/ قسوم أباك (قسوم هو مؤسس زواية الهامل)

لله روف عليا

قسوم كي سقاك/عنا وصاك/ خليفتو خلاك

أنا من الوصية

ادخيل بيه انسال/وبالأجال/ قل لي اطلب تنال

لا باس كن هنيا

أنا دوايا فيك/عبد الحميد/إن فادني نفيد

بركة الأوليا (عبد الحميد هو بن الشيخ المختار وشيخ الزاوية بعد والده)

اللي عليه اللوم/مازال اليوم/ الطاهر المفهوم

لحوايجي قصيا

بجاه ذي الاشبال/واحمد كمال/ يا سيد الرجال

تكون في حمايا

وسيدي بو الانوار/ممو الابصار/ ظهرت عنو الانوار

طريق رحمانية
وسيدي المختار/طيب الاذكار/ تلقح بيه الاشجار

كذاك بالكلية

وسيدي قدور/نور البدور/ وزيد حم الصغير/ ولد الأمير/ باباه وجه الخير

خليفة شيخيا

ما جا من الكمال/قاصف محال/ يحكو العرب مثال

صبناه حقيقيا.

(الأمين، أحمد : صور مشرقة من الشعر الشعبي الجزائري، ص 130-136)

 

11- اللغة الصوفية في نصوص الشاعر الشيخ محمد بن مسايب :

إن القليل الذي نعرفه عن حياة الشاعر الشيخ محمد بن مسايب حصلنا عليه عن طريق التقاليد الشفاهية. ويمكننا أيضا أن تستشف حياة الشاعر من خلال إنتاجه الذي يختزن عاطفة صادقة ويحمل وقعا مؤثرا. أمضى بن مسايب شبابه في ممارسة مهنة النسيج التي ساهمت على ما يبدو بطريقة أو بأخرى في تنمية ذوقه الفني. ويبدو أيضا أنه منذ شبابه المبكر أصيب بغرام أرقه وعذبه. غرام فتاة اسمها « عيشة ». ويظهر أن بن مسايب أصيب بخيبات عاطفية عديدة دفعته إلى قطع علاقاته مع الحب الدنيوي حيث لم يكن أيضا بعيدا عن معاناة البسطاء من الناس. وهو لا يخفي غضبه ومخاوفه إزاء محيط فاسد في أعماقه جراء ظلم الولاة الأتراك من جهة ولامبالاة الأغنياء الأنانيين والمتكبرين من جهة أخرى. هذه العوامل مجتمعة هي التي حولت بن مسايب على ما يبدو من شاعر للحب الدنيوي إلى شاعر للحب الإلهي بامتياز.(10)

ومن القصائد التي توحي بتبحّر محمّد بن مسايب في المجال الصوفي ومعرفته العميقة بالطريق

وأهلها على الأقل في الجانب النظري، يمكن ذكر ما يلي:

( الوفاة) وهي قصيدة في وفاة الرسول  ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ( يا الوحداني) وهي في موضوع التوبة والاستغفار ، (ماوفاشي طلبي) وهي قصيدة يوحي ظاهرها عند القراءة السطحية بأنها غرامية، غير أنه يقول في آخرها :

 » نمدح جدّ الشرفا       صاحب الحوض أحمد سلطاني

غفرانك يـا ربي        حرمة  النبي الماحي الطاهر

فيه غاية رغبي           بيه راني متولّع يـــاسر    » (11).

والواقع أن المتمعّن في نص هذه القصيدة يجد فعلًا تعابير غرامية كثيرة شائعة في أجوائها، وعندما نقول تعابير « غرامية » فنحن لا نقصد العاطفية منها فحسب بل نقصد أيضًا التعابير الحسّية الجسدية مثل قوله :

 » محبوبي كحل العين    والشفر والحاجب والسالف

حسنه مكمول الزين    يسحر العاشق بسر مخالف

ديما فوق الخدين        الورد فاتح لونه متخالف » (12)

إلى غير ذلك من التعابير التي توحي للقارئ أن الشاعر يصف امرأة لا رجلًا، ما يجعله يتوهّم ان القصيدة غزلية  وهي غير ذلك. وهذه عادة الشعراء الصوفية في تعابيرهم العشقية الجيّاشة التي تفيض بمعاني الحب تجاه الله تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام و الأولياء الصالحين. ومن المعروف أن الصوفية كانوا على طول تاريخهم (وعلى خلاف العديد من الفقهاء وعلى الخصوص الحنابلة منهم ) يستشعرون الحرية كلها في التعبير عما يجيش بداخل أنفسهم من المشاعر والعواطف والأحاسيس والمواجيد (من الوجد) الناتجة عن طبيعة العلاقة التي تربطهم بالله تعالى من خلال ما يمارسونه من عبادة وتقرب إلى حضرته القدسية. فاللغة الصوفية تنطلق عندما تعجز اللغة العادية. وهذا أمر هو في الواقع فوق طاقة الصوفية، لأنهم لا يملكون القدرة حتى على اختيار ألفاظهم أو التحري في نحتها وتدقيقها، في الوقت الذي يكونون مأسورين داخل حالة الشهود الإلهي. ومن هنا فإن التعابير التي نجدها عند بن مسايب وغيره من شعراء الملحون في مجال (المدح) أو (الجد) والتي يوحي ظاهرها أنها تتعلق بغرام جسدي، هي في الواقع لغة ومفردات صوفية باطنية. فإذا كان بن مسايب يمدح الرسول عليه الصلاة والسلام بألفاظ الحب الجسدي، فذلك لأنه في الواقع وتحت تأثير حالة الوجد التي تحدث خلال « الاجتماع » أو « الاتصال » الروحي بالنبي عليه الصلاة والسلام سواء في اليقظة أو في المنام، لا يجد الشاعر قاموسا آخر ينطق به سوى القاموس الذي يتحرك في حالات (العشق) لأن ما يجيش داخل نفسه وروحه حيال شخص النبي عليه الصلاة والسلام  هو فعلا (عشق) على اعتبار أن حالة (العشق) تمثل في القاموس العربي درجة عالية من الحب، وعلى اعتبار أن حب النبي عليه الصلاة والسلام إلى أقصى درجة ممكنة، هو أمر مفروض بنص القرآن الكريم في قوله تعالى (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ) الآية. ومفروض أيضا بنص السنة في الحديث الصحيح وهو قوله عليه الصلاة والسلام : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه أهله وماله والناس أجمعين) أو كما قال. من هنا تنطلق مسألة الحرية اللغوية بالنسبة لصوفية في التعبير، سواء عن الحب الإلهي أو حب الرسول عليه الصلاة والسلام. فأن تحب إنسانا أكثر من نفسك وأهلك ومالك والناس أجمعين، لا يجد الصوفية له مصطلحا يعبر عنه سوى مصطلح (العشق).

ودائما في قصيدة (ما وفاشي طلبي) نجد بن مسايب يصرح منذ البيت الثاني أنه لم يكن في يوم من الأيام يخفي ولعه بالنبي (ص) حيث يقول :

« بيه مولع قلبي/ كنت من بكري ظاهر شاهر »

ويتحدث عنه لا على أساس أنه نبيه فحسب بل على أساس أنه « محبوبه » بل ويصف الكثير من جماله الجسدي (وغالبا لا يصف الشاعر سوى ما يرى) فيقول :

« ديما فوق الخدين/ الورد فاتح لونه متخالف

واين كان مربي/ غرس بستانه فيه نواور »

وكذلك نجد بن مسايب في قصيدته أو بالأحرى (زجله) المسمّى (بدر الدجى عسّاس) ، الذي يغنّى في الطابع الأندلسي او النوبة (رهاوي) على إيقاع (الانصراف)،فإن المستمع يتصوّر أن هذا (الزجل) هو في الخمرة والغرام،فهو يقول :

 » بدر الدجى عسّاس          والليل راح

يحلى الطرب والكاس         بين الملاح

قم يا نديم قم                دير الكيوس

فايق من النوم               تجلس جليس »

وهذا النص هو في الواقع في مدح الرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ويعرف القارئ والمستمع ذلك عند قول الشاعر :

حبي من نهواه                  بدر البدور

سبحان من علاه               فاق كل نور

عزو الكريم وعطاه            زهو الصدور

منو زهات الناس              قطب الفلاح

يحلى العود والكاس           بين الملاح

زهوي وعشقي فيه            سيد البشر

قلبي مولّع بيه                  ما لي صبر

في محبته خلّيه                  تفنى العمر

من كل وسواس              قلبي ارتاح

يحلى العود والكاس           بين الملاح

نهوى ظريف القد              ظبي الفلا

بالغرة والخد                   بدر انجلا

والحاجبين سود                دفعوا البلا « (13)

ويدخل بن مسايب من خلال هذا الزجل في تقاطعات كثيرة مع الزجل الأندلسي الذي يحمل الطابع الجسدي الدنيوي، غير يزرع فيه مفردات تنبه القارئ والمستمع إلى أنه لا يحيد عن الرؤية الصوفية، يقول :

« أبو عيون شهال             غنج الشفر

زاد بهاء وجمال                ذاك القمر

من نوره طلال                بان الفجر

أبيض من قرطاس             بضياه لاح

يحلى العود والكاس           بين الملاح

سيد الورى المليح             ما له مثيل

حسن بديع سميح              باهي جميل

منه ضاء التصبيح              يخجل خجيل

والقد غصن الياس            إذا انفتح » إلى أن يقول :

يا كاسب المال                ربحو قليل

من تبعو ينال                  منو الدليل

قال مسايب قال               خلي الجميل

من يفدي ذا الناس            يوم الفضاح » (14)

قد يظهر للقارئ أن بعض ألفاظ ومفردات بن مسايب رحمه الله مبالغ فيه. لكن هذه « المبالغات » قد تكون عبارة عن رد فعل طبيعي لما كان سائدا على مر العصور من المبالغة الأدبية من طرف الكتاب والشعراء منهم على وجه الخصوص، في الحديث عن الحب الدنيوي. في حين قد يرى الصوفية، وهم مصيبون في ذلك، أن تلك المفردات ما ينبغي أن تقال إلا في حق الله تعالى. ومن هنا نقل الصوفية الكثير من الشعر الفصيح في مجال المدح من الساحة البشرية إلى مدح الذات الإلهية مثلما فعلوا مع قول أبي فراس الحمداني في مدح سيف الدولة :

« فليت الذي بيني وبينك عامر/ وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود يا غاية المنى/ فكل الذي فوق التراب تراب ».

إن المبالغة في توظيف المفردات العشقية فيما يتعلق بالحب الدنيوي جعلت شعراء الصوفية أو شعراء الملحون عموما ينقلون تلك المبالغات في قصائدهم إلى ساحة الحب الإلهي.

ويلاحظ في هذا الصدد أن محمّد بن مسايب يقتدي بالشعراء الصوفية الذين ليست لديهم مشكلة او عقدة من التحدّث عن ( العشق) وهو درجة عالية من المحبّة لله تعالى، أو الرسول (ص) أو الأولياء والصّالحين. ونلاحظ الأمر نفسه في قصيدة (هاض الوحش عليّ) التي يتحدث فيها عن الكعبة المشرفة ويقول فيها :

طال الضر ولا لي طبيب       نتوحش خيال الحبيب

أنا نهوى غصن الرطيب        نيرانو مقديا

باقي هايم وحدي غريب       ما ولاشي ليا

نارو في القلب راها قدات     من تفكار إمام البنات

من نهواها راها مشات         لكن بلا سية

صبر القلب علي جفات        يا عالم الخفيا

نطلبك يا ربي الحنين            راني من ذا العدرا مكين

حبها في حشايا سكين           مكوي كم من كي » (15)

وفي القصيدة المعنونة في ديوانه « ليك نشكي » والمشهورة أكثر باسم « الوحداني » يمارس بن مسايب (التوسل) بالنبي وآله والأولياء، ويستعمل العديد من المصطلحات الصوفية مثل (الذكر) (أهل الله) (باب الله) (السر) (البكاء على الذنب)..كما هي حال جميع الصوفية.

ويعبر بن مسايب أيضا عن مدى (عشقه) للرسول (ص) في قصيدته « هاض عني وحش المحبوب » حيث يقول إن (حبه) و(عشقه) للنبي (ص) و (غرامه) به،  وصل به إلى درجة (الجنون ) وهي كلها مصطلحات شائعة الاستعمال عند الصوفية ويضيف إليها مصطلح (الاخوان) أي (المريدون). ويقول بن مسايب إن من (عرف) و(ذاق) و(جرب) حقا حب الرسول (ص)، يكثر (همه) و(تشتعل نيران قلبه) في حبه و (يذوب عقله) فيه بل (تذوب فيه كل جوارحه). فمن كانت (حاله) هكذا سرعان ما يصل به (حبه) إلى درجة (الجنون) حيث يصير (أسير) ذلك (الحب) كما هي (حال) من يقع أسيرا داخل قلعة تحيط بها أسوار عالية وعليها حراس أشداء بحيث لا يستطيع منها فرارا. ثم يتساءل بن مسايب عن المحبين

(من هم ؟) و(أين هم ؟) لشدة خفائهم. يقول (إنهم يعبدون الله باليقين) وهو (يودهم بأسراره) لكنهم (لا يبالون بأحد في علاقتهم به وعبادتهم له).

يقول بن مسايب رحمه الله :

« هاض عني وحش الهادي/ يالله بلغ مرادي

تنطفا نيران كبادي/ محايني جارو

هاض عني يا الاخوان/ سيد الكون بن عدنان

يالله كمل يا رحمان/ قودني لكوثارو

القلب فر ليه بلا جنحان/ والجوارح طارو

العقل فر ليه بلا جنحان/ والعيون نهطلو وديان

الغرام يهدف بالغيوان/ بالعساكر غارو »…. إلى أن يقول :

يالي جربتو لمحان/ جوارحي طارو

باش تطفا نار الممحون/ دبرو على هذا المغبون

واين حالو كيفاش يكون/ من عرف مقدارو

ينقبض كيف اللي مجنون/ في حصن بسوارو

فاينهم المحبين/ ما يارهم واحد أواثنين

ما يراهم طرف العينين/ ليلهم ونهارو

يعبدو ربي باليقين/ يودهم بسرارو

يعبدو ربي باليقين/ ما يشوفو للي حيين

منزلهم أعلى عليين/ روضهم باشجارو (16)

وله أيضا قصيدة أخرى في مدح الرسول (ص) مطلعها « هاجت بالفكر شواقي » وردت في الصفحة 79 من الديوان يستعمل فيها حشدا من المفردات الصوفية :

(الشوق) (العشق) (الساقي) (الكاس) (الذوق) (الحب) (المحبوب) (اللقاء) (الوجد) (التيه) (السياحة) (العهد) (الميثاق) (القلب) (النفس) (الحضرة) (أصحاب الحضرة) (الرحيق) (الخمر) (السكر) (الهوى) (الطريق) (الحلة) (التحقق) (الوفق) (الحق) (الاحتقاق) .

الملاحظة نفسها يمكن أن نسوقها حول قصيدة « نار الهوى » الواردة في الصفحة 86 من الديوان والتي نظمها في مدح الرسول (ص) أيضا حيث نجد المفردات التالية :

(الهوى) (الوصول) (الفراق) (السر) (البوح) (الفيض) (الوجد) (الخمر) (الشراب) (الحجاب) (الوصال).

وفي هذه القصيدة (نار الهوى) يستشعر بن مسايب حرية كبيرة في إرادته تقبيل الرسول (ص) (مرة أخرى) من خده وكأنه فعل ذلك من قبل، بل ويقول (إنه اشتهى ذلك) :

« نار الهوى لهبت لهيب/ في قلبي ودموعي سياح

لله يا شمس المغيب/ سلم على سيد الملاح….

بعد المغيب يا هل ترى/ ياتي زاير من هويت

تقبيله مرة أخرى/ من هذاك الخد اشتهيت »

ويصفه بقوله :

« شهل العيون غنج الشفر/ حمر المراشف والخدود

من حسنه غار القمر/ والشمس في سعد السعود »

بل إن بن مسايب لا يجد حرجا في أن يجمع في هذا السياق بين مدح الرسول (ص) والتعبير عن شوقه إليه وبين التعبير الصوفي الرمزي من خلال الحديث عن (الخمور) و (الشراب) حيث يقول :

 » نتناولو كاس الخمور/ من صفوا (كذا ولعلها : من صفوها) طيب الشراب

بين المنارات والقصور/ عود يصيح مع الرباب

والفجر راخ الستور/ والفجر بان تحت الحجاب

من فارقني بُعدو صعيب/ بعد وصالي لا سماح

لله يا شمس المغيب/ سلم على سيد الملاح ».

وبينما يرفض بعض فقهاء « المدرسة السلفية » والوهابيون عبارات مثل (سيدنا محمد) أو (محمد عين الوجود) وهي كثيرة الاستعمال عند الصوفية، نجد بن مسايب في قصيدة « الحرم يا رسول الله » الواردة في الصفحة 91 من الديوان يقول :

« الصلاة على الرسول الهادي/ عين الوجود محمدي

تاج الرسل سيد سيادي/ سيدي وسيد خلق الله

مداح نمدحك بنشادي/ حتى نصير نلقى الله ».

وتشيع المفردات الصوفية أيضا في قصيدة « يا الورشان » الواردة ص 97 من الديوان :

(الوالي) ( القطب) (أهل الله) (الصلاح) أي الصالحون (أهل التصريف) (القبة) (الوعدة) (البركة) أي بركة الأولياء (كيسان الراح) (الخمور) (باب الله) (المخمر) (الزيارة) أي زيارة الأولياء (الباطن) (الفراق) (الشوق) (الهوى) (الذوق) (الشاوش) (الكسوة) (الفقرا) (الحجاب) (الدليل) بمعنى الهادي أو القائد (المسعود) من السعد (الأسرار) (الكتمان).

الأمر نفسه نجده في قصيدة « هاج غرامك » و « أبوعلام » الواردتان على التوالي ص 104 و 106 من الديوان واللتان خصصهما بن مسايب لمدح سيدي عبد القادر الجيلاني. ففي القصيدة الأولى نجد المفردات التالية :

(الغوث) (العارف بالله) (سلطان الاولياء) (الحال) (الصلاح).

وفي القصيدة الثانية نجد المفردات التالية :

(الفناء) (البحر) (الزيارة) (الخمر) (الكاس) (سقاني) (الشرب) (الحال) (المقام) (العلام) أي السنجاق.

في هذه القصيدة يوظف بن مسايب الأسلوب نفسه الذي وظفه في مدح الرسول (ص) من حيث الجرأة في الطرح وتحريك الأسلوب الغرامي في التعبير حيث يقول :

« نبات أنا فوق مطارح/ مبسوط حالي ديما فارح

واربايبها تتصايح/ شبابات والاغاني

حتى خمرنا بحرو سابح/ بيده الكاس سقاني

الخمر من الشفة حبيته/ وفي الخاطر تمنيته

ممن بعيني ريته/ ما ملكت صبر راني

كاس مدامي مليته/ وشربت ما رواني »

ويطلب بن مسايب من سيدي عبد القادر (أن يساعده حتى يراه) ومعروف أن مسألة اللقاء والاجتماع بالأولياء والصالحين والأخذ عنهم بعد موتهم، لا توجد إلا عند الصوفية، حيث يقول الشاعر مخاطبا سيدي عبد القادر:

« ساعدني حتى نراك/ نضحى فرحان وزاهر

قادر رافع الافلاك/ يغفر حتى للكافر

يا سلطان الاوليا/ يا جبار المكسور

يا دمار الخزيا/ خبرك شايع مذكور ».

وفي قصيدة « يا اهل الله » ص 109 من الديوان، وهي قصيدة مطولة تضم 113 بيتا نظمها في مدح الأولياء والصالحين، يوظف بن مسايب المفردات والعبارات الصوفية التالية :

(الغوث) (أهل الله) (البركة) (أهل الله) (بركة أهل الله) (التصريف) (أهل التصريف) (القطب) (الأغيار) (الحضور) أي حضور الولي (البحر) أي بحر الولي (العهد) (الكمال) (السر) (صاحب السر) (الخمار) (التصوف) (أهل التصوف) (أولياء الله) (الأسياد) (أولياء الله الأسياد) (الزيارة) (الزيار) أي الزوار (القطب) (المغيث) أي الولي (الحكمة) (البرهان) (صاحب البرهان) (الشريف) (صاحب الحكمة والبرهان) (صاحب الحكمة والبركة) (السر) (الكتمان) (الكاتم سره) (المقام) (الكاس) (الشرب) (الذوق) (أهل الذوق) (الحال) (أهل الحال) (أهل الحال والاحوال) (التوسل) (الوصال) (العارف).

و في هذه القصيدة المطولة، يظهر تبحّر محمّد بن مسايب في معرفة الاولياء والصالحين من الصوفية حيث يذكرهم بأسمائهم وصفاتهم وهذه قائمة أسمائهم على الترتيب الذي جاء في القصيدة:

سيدي عبد الله، سيدي التهامي الحسني (سبطه)، سيدي عبد القادر الجيلاني، القطب أبو عزة، سيدي أبو العباس، سبعة رجال، سيدي محمد بن عيسى، سيدي المحجوب، سيدي أحمد السوسي، سيدي المجدوب، سيدي بوجيدة، سيدي الشاوي، سيدي بالحرازم، سيدي البرناوي، سيدي عبد الحق (وأخوه الذي لم يذكر اسمه)، سيدي بلقاضي، سيدي الخمار، سيدي بو شتا، سيدي معزوز، سيدي أحمد الخرشوش، سيدي عزوز، سيدي بن بوزيان، سيدي الفضيل، سيدي عبد الرحمان، سيدي الجيدار، سيدي وهاب، سيدي يعقوب، سيدي أحمد بن ناصر، سيدي بن يحيى، سيدي الرصاع، سيدي يوسف، سيدي الحسن بن مخلوف، سيدي موسى، سيدي بن زينة، سيدي الحباك، سيدي أحمد بن بنة، سيدي الحلوي، سيدي سعيد البوزيدي، سيدي همان بن مرزوق (يقول : الحفيد وجده)، سيدي حدوش، سيدي بن دريس، سيدي المريني، سيدي بوجمعة، سيدي الحاج العشري، سيدي السنوسي، سيدي ابن المقري، سيدي أحمد بن زكري، سيدي المغيلي، سيدي الشيبلي (أو الشبيلي)، سيدي بومدين، سيدي أو العلا، سيدي عياد، الإمام علي (ويذكر معه ابن أخيه الذي لا يسميه)، سيدي ابراهيم النعار، سيدي التميمي، سيدي بن العطار، سيدي أبو إسحاق الطيار، سيدي الحوثي بن منصور، سيدي محمد بن علي، سيدي الهواري، سيدي عثمان، سيدي بلقاسم (الوالي مولى مزغران)، سيدي حمودة (خويا حمو)، سيدي عابد، سيدي عيسى بن داود، سيدي امحمد بن عودة، سيدي معروف أويس، سيدي أحمد بن ناصر، سيدي أحمد بن يوسف، سيدي أحمد (مولى صاكة)، سيدي علي مبارك (دفين القليعة)، سيدي عبد الرحمن الثعالبي، سيدي منصور الشريف، المغراوي، سيدي بن سليمان، سيدي بدر الدين، سيدي العروسي، سيدي علي الفاضل، سيدي بن يونس، أبو يزيد البسطامي (القطب أبا يزيد)، سيدي الباجي، سيدي الزروق، سيدي أحمد البدراوي، ابن عرفة (الفقيه المالكي)، التتائي (الفقيه المالكي)، سيدي خليل (بن إسحاق بن موسى الفقيه المالكي صاحب المختصر الشهير)، مسلم (صاحب الصحيح)، البخاري (صاحب الصحيح)، أبو أيوب الأنصاري (الصحابي)، الأنصار، المهاجرون، أبو بكر رضي الله عنه، عمر رضي الله عنه، عثمان رضي الله عنه، أهل بدر رضي الله عنهم، أصحاب البيعات (من الصحابة رضي الله عنهم)، حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، ويختم بعلي بن أبي طالب كرم الله وجه ورضي الله عنه وبأولاده وأهله.

وفي هذه القصيدة أيضا يتحدث بن مسايب عن (الشرفة) وهم المنتسبون لآل البيت رضي الله عنهم وهم عترة النبي عليه الصلاة والسلام، مذكرا بخصوصيتهم من جهة قرابتهم من النبي (ص) وما خصهم الله تعالى به من الآيات الكريمة حيث قال عز من قائل في سورة الأحزاب : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). وكذلك مئات وربما آلاف النصوص الواردة بحقهم في السنة النبوية الشريفة. وفي هذا السياق يذكر بن مسايب كلما دعت الحاجة إلى ذلك، بهذه الخصوصية التي للأشراف المنتسبين لآل البيت الذين يسميهم (أهل الفرع الأصلي من اولاد محمد وعلي) ويقول :

« واين أهل الفرع الأصلي/ من اولاد محمد وعلي…

واين سعيد البوزيدي/ الشريف الخاذي بيدي

نمدحه سيدي بن سيدي/ ونزيد جميع ألي مدحوه…

أهل جندل وابن علال/ الشريف الوافي عهده…

واين هو سيدي منصور/ الشريف التاقي المشهور

من عظم في أهل الجمهور/ وعظم في مزغنة حرمه…

واين البطل شديد الباس/ حيدرة واولاده واهله

بهم سألت رسول الله/ يوصل لي اليوم نراه. »

وفي هذه القصيدة أيضا يتحدث بن مسايب عن كرامات الأولياء بأسلوب يوحي لقارئ أن الشاعر يؤمن بها إيمانا عميقا حيث يقول :

واين الحوثي بن منصور/ صاحب البرهان المذكور

المسلك من هو ميصور/ في يد الاعدا بعد ان قبضوه

قل ذا الساعة من يقصد/ بن علي سيدي محمد

من دخل حماه وسند/ يتحرر الله ضمنه

شاهدت له الناس البرهان/ وانشهر خبره واضح بان

شاعت اخبارو في البلدان/ قال (ولعلها : قالو) لو صبنا نزوروه

كل من زارو ياسادات/ ما يروح بلاشي هيهات…

واين سيدي احمد بن ناصر/ صاحب البرهان الظاهر

من قطع الواد ثم جر/ والحجار والدفلى تبعوه

واين سيدي احمد بن يوسف/ أهل زكار وبنو يخلف

واين من بيده غلب وعف/ وعتق جميع ألي ظلموه…

واين أحمد مولى صاكة/ صاحب الحكمة والبراكة

من دخل مقامه وشكى/ يرغب الله يرفع ضره…

واين همان أهل الخطوات/ من مشى فوق الما بثبات ».

وفي مقام التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين يقول بن مسايب في القصيدة نفسها :

وايت أهل التقى والدين/ كلهم الموتى والحيين

من توسل بهم في الحين/ ينجى وينجبر كسره…

واين أهل وطن متيجي/ فيهم انا راني نرجى

علي المبارك يقضي الحاجة/ لكل من مشاو وقصدوه…

من يتوسل بالأنبياء/ والرسل مع الأوليا

حاجته يبشر مقضية/ إذا عملها حقه يرضوه

من يتوسل بهم ينال/ فرح وهنا حتى الوصال

ينتقل من حال إلى حال/ لله الحمد على وفقه

من يتوسل بهم تحقيق/ يطلب من الله التوفيق

يسلكه من الشدة والضيق/ يسبل عليه الله ستره ».

ويتضح من قوله « من يتوسل بهم تحقيق/ يطلب من الله التوفيق » أن بن مسايب يفهم جيدا الإطار الذي ترد فيه مسألة التوسل، وأن التوسل ليس واردا في باب الاعتقاد بانفراد الأنبياء أوالأولياء بالقدرة أو القوة من دون الله تعالى، بل هو وارد من باب أن الله تعالى يكرم أنبياءه وأولياءه وخاصته باستجابة دعاء من يتوسل بجاههم. وذلك مشروع ووارد في حديث عثمان بن حنيف في صحيح مسلم. وفي هذا السياق يشير بن مسايب إلى أن التوسل ليس أن تقول (يا رسول الله أعطني كذا) بل أن تقول (اللهم إني أسألك كذا بجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أو بجاه وليك الصالح فلان) وهذا أمر مشروع لا غبار عليه. بل إن التوسل جائز أيضا عند جماهير الفقهاء والمحدثين بأسماء الله الحسنى وبصالح الأعمال كما هو وارد في الحديث الصحيح الذي يروي قصة الثلاثة الذين دخلوا كهفا فانغلق عليهم بابه فلم ينجهم من ذلك الموقف سوى الدعاء والتوسل إلى الله بصالح أعمالهم. وقد حقق الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي هذه المسألة في كتابه « فقه السيرة » فليراجع.

 

 

ـ الخلاصة

 

من خلال ما سبق، يتبين مدى تأثير التصوف عموما والطرق الصوفية خصوصا، على الشعر  الشعبي (أو الملحون) وعلى الخصوص على الشاعر الشيخ محمد بن مسايب.

وبعد، فإن البحث في هذا الجانب في الجانب الصوفي من إنتاج الشاعر محمد بن مسايب يبقى في بداياته الأولى بسبب قلة المصادر والمراجع، وقبل ذلك بسبب عدم تدوين كل المادة الشعرية الخام المتعلقة بهذا الموضوع.

 

سعيد جاب الخير

 

 

 

الهوامش

 

1ـ  الكلّاباذي (أبو بكر محمد بن إسحاق): التعرف لمذهب أهل التصوف، (بيروت : دار الكتب العلمية،2001)، ص 09-10.

2 ـ   السابق، ص20.

3 – سعد الله (أبو القاسم ) : تاريخ الجزائر الثقافي، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط1، 1998)، 1 / 187

4 ـ  السابق، 2/438.

5 ـ   السابق، 2/439.

6 ـ السابق.

7ـ   السابق، 2/440

8ـ  السابق،2 /442

9 ـ  حشلاف  (الحاج محمد الحبيب):  الجفر في الشعر الشعبي الملحون المغاربي، (الجزائر،الديوان الوطني لحقوق المؤلّف والحقوق المجاورة،2004)،ص 09.

10- بخوشة (محمد) : كتاب الحب والمحبوب، تلمسان، دار ابن خلدون، 2004 )، ص ص 20 – 21 .

هـ)، ص 70. بجمع وتحقيق

12ـ   السابق، ص69.

13ـ   السابق، ص 70-71.

14 –    السابق، ص 72 .

15 -     السابق، ص 73 – 74 .

16 -   السابق، ص   75 – 76 .

 

 

 

مصادر ومراجع البحث :

1ـ  الكلّاباذي (أبو بكر محمد بن إسحاق): التعرف لمذهب أهل التصوف، بيروت : دار الكتب العلمية،2001.

2 ـ القشيري (أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن): الرسالة في علم التصوف، بيروت: دار الكتاب العربي،بدون تاريخ.

3 ـ الحفني (عبد المنعم ) : معجم مصطلحات الصوفية(بيروت : دار المسيرة، 1980).

4 ـ سعد الله (أبو القاسم ) : تاريخ الجزائر الثقافي، بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط1، 1998.

5 ـ  حشلاف  (الحاج محمد الحبيب):  الجفر في الشعر الشعبي الملحون المغاربي، الجزائر،الديوان الوطني لحقوق المؤلّف والحقوق المجاورة،2004.

6 ـ ابن مسايب، (أبو عبد الله محمّد بن أحمد):الديوان، تلمسان: مطبعة بن خلدون،1370 هـ.

07- بخوشة (محمد) : كتاب الحب والمحبوب،  تلمسان : دار ابن خلدون، 2004.

08- مرتاض، محمد : التجربة الصوفية عند شعراء المغرب العربي في الخمسية الهجرية الثانية، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 2009.

09- السُلمي (أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين) : طبقات الصوفية، تحقيق وتعليق مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية منشورات محمد علي بيضون، ط 2، 2003.

10- جويرو، زهية : الإسلام الشعبي، ضمن سلسلة « الإسلام واحدا ومتعددا »، بيروت، دار الطليعة بالاشتراك مع رابطة العقلانيين العرب، ط1، 2007.

11- خنشلاوي، زعيم : التصوير الروحاني في الفلكلور الجزايري، الجزائر، المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ، 2005.

12- مروة، حسين : النزعات المادية في الفلسة العربية الإسلامية، بيروت، دار الفارابي، ط5، 1985)

13- عبد الحكيم، شوقي : الشعر الشعبي الفلكلوري عند العرب، بيروت، دار الحداثة، لا ط، لا ت.

14- الأمين، محمد : صور مشرقة من الشعر الشعبي الجزائري، الجزائر، دار الحكمة، 2007، لا ط.

15- مجلة رسالة المسجد (مجلة محكمة تصدر عن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بالجزائر)، السنة السادسة، العدد الثامن، شعبان 1429/أوت 2008.

سعيد جاب الخير


ترك تعليق

*
.

Copyright © 2014 Ouled Sidi ® Version bêta
Conception Green pix ®
Articles (RSS) et Commentaires (RSS). 90 requêtes. 0, 683 secondes.